خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*
*1. خطاب السلطة لحظة الانكسار*
حين تتهاوى أسوار “قَرْطَسِينَا” العاصمة الأسطورية لمملكة “أوراثيا” سنة 900م، لا يسقط الحجر فقط، بل يسقط معه السرد. الحاكم “الأمير مُظَفَّر الدين قَرْطَسي” يختفي ليلة الاقتحام. ومنذ تلك اللحظة ينقسم المؤرخون إلى روايتين متضاربتين، لا تلتقيان إلا على جثة الدولة:
*أ. رواية الهروب*: تقول إن الأمير فرّ عبر نفق “بَابِ الهَوْدَج” الممتد إلى صحراء “تِيهَاء”، حاملاً معه خزائن الدولة. هذه الرواية يروّج لها البلاط المنفي في “مارِيقَا” وتستند إلى شهادات حراس شخصيين اختفوا لاحقاً.
*ب. رواية الاختطاف*: يصرّ عليها الثوار وأنصار “مجلس التطهير” بأن الأمير لم يهرب بل تم اختطافه من قصره في “قصر العاج” ونُقل إلى سجن “قَلْعَة الصَّدى” حيث أُعدم سراً مع أسرته. الدليل: بقايا متفحمة عُثر عليها بعد اثني عشر عاماً.
اللافت أن الحقيقة لم تظهر إلا بعد انهيار “الاتحاد الأوراثي” -النظام الذي خلف المملكة- بسبعين عاماً، حين فُتحت أرشيفات “قَلْعَة الصَّدى” سنة 1000م. وهنا تتشابك قَرْطَسِينَا مع بطرسبرغ.
*2. آليات تضليل السرد في لحظة السقوط*
السلطة المطلقة تولّد خطابين متوازيين عند الانهيار: خطاب النفي الذاتي “الهروب” وخطاب الضحية “الاختطاف”. كلاهما يحفظ هيبة الحاكم وإن بطرق متعاكسة.
في قَرْطَسِينَا، رواية الهروب خدمت شرعية الوريث المنفي في مارِيقَا. فالحاكم الهارب يبقى “ذاتاً فاعلة” تملك قرار المصير. أما رواية الاختطاف فخدمت الثورة، إذ تحوّل الحاكم من مستبد إلى قتيل، ومن مسؤول إلى مظلوم، في عملية تطهير رمزي للماضي.
هذه الثنائية ليست عبثية. الفيلسوف السياسي “ابن خُلْدُون القَرْطَسي” سمّاها “ازدواجية موت السلطان”: إما موت جسدي ينهي السلطة، أو موت رمزي يبقيها شبحاً في المنفى.
*3. مقاربة مع تراجيديا القيصر نيقولا الثاني وآل رومانوف*
هنا تتجلّى المفارقة الفلسفية. فما حدث في قَرْطَسِينَا يتطابق بنيوياً مع ما جرى في “يكاترينبورغ” سنة 1918م. نيقولا الثاني لم يمت فقط، بل ماتت معه “قداسة القيصر”. الجريمة انكشفت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي لأن الدولة البلشفية بنت شرعيتها على إنكارها. وبالمثل، لم تُكشف حقيقة مُظَفَّر الدين إلا بعد سقوط “الاتحاد الأوراثي”، لأن النظام الجديد كان مديناً ببقائه لرواية الاختطاف.
فوكو يسمي هذا “إرادة المعرفة المؤجلة”: الحقيقة لا تُقال وقت الجريمة، بل تُؤجّل حتى يسقط النظام الذي يحتاج الكذب.
*4. فلسفة الهروب مقابل فلسفة الشهادة*
الهروب فعل سياسي أناني: الحاكم ينجو بجسده ليبقي الرمز حياً. الاختطاف فعل مأساوي: الحاكم يُقتل ليُقدّس الرمز.
الأمير مُظَفَّر لو هرب، يكون قد خان “عقد الحماية” بينه وبين رعيته، وهو العقد الذي يفسره الفلاسفة الأوراثيون بأنه “ميثاق الظل”. ولو اختُطف، يكون قد دفع ثمن هذا العقد بدمه، فتحوّل من طاغية إلى شهيد في الذاكرة الجمعية.
نيقولا الثاني اختار الشهادة رغماً عنه. ورفاته التي عُثر عليها بعد ثلاثة وسبعين عاماً لم تثبت الجريمة فقط، بل أعادت كتابة التاريخ: القيصر لم يعد رمز الاستبداد، بل رمز نهاية حقبة. وهذا بالضبط ما حدث لجمجمة مُظَفَّر التي عُرضت في متحف “قَرْطَسِينَا” بعد فتح الأرشيف.
*5. الجريمة التي لا تُدفن*
سقوط المدن لا يقاس بانهيار الأسوار، بل بتعدد الروايات عن موت حاكمها. كل رواية هي محاولة لإنقاذ معنى من معاني السلطة.
قَرْطَسِينَا وآل رومانوف يعلّماننا قاعدة سياسية فلسفية: “الأنظمة لا تُدفن مع حكامها، بل تُدفن مع أرشيفها”. ولذلك كان فتح أرشيف قَلْعَة الصَّدى بعد سبعين عاماً، وفتح أرشيف الكي جي بي بعد ثلاثة وسبعين عاماً، لحظة انكشاف أخلاقي أكثر منها تاريخي.
الحقيقة لا تقتل الطغاة، بل تقتل الأسطورة التي تحميهم. وحين تُقتل الأسطورة، تسقط المدينة مرتين: مرة بالسيف، ومرة بالذاكرة.
—————————
استاذة جامعية . رئيسة قسم الابحاث العلمية والفكرية في موقع “أخبار الدنيا”.