منطقة أمن دولي أم سيادة وطنية…؟
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الأيوبي*
لم يعد ما يجري في جنوب لبنان مجرد مواجهة عسكرية متقطعة أو جولة من جولات التدمير الممنهج. فالغارات الإسرائيلية، والاجتماعات العسكرية، والوساطات الأميركية، والحديث المتزايد عن مستقبل قوات الأمم المتحدة، وإملاء الفراغ بقوات الثلاثي الأوروبي (فرنسا- إيطاليا- ألمانيا) ليست منفصلة؛ هي حلقات في مسار واحد يتجاوز إدارة الحرب إلى إدارة مرحلة ما بعدها..
عليه؛ لم يعد السؤال الأساسي: متى تنسحب إسرائيل.؟ بل أُضيف إليه: أي نموذج أمني سيعتمد او يفرض بعد انتهاء العمليات العسكرية.؟ بالتالي هل تتجه المفاوضات نحو استعادة الدولة اللبنانية كامل دورها السيادي، أم ستشاركها قوى خارجية وفق توازنات إقليمية ودولية.؟
هذه الأسئلة تفرضها طبيعة التطورات. فالمفاوضات الدائرة انتقلت إلى هندسة النظام الأمني الذي سيحكم الجنوب في السنوات المقبلة، “مناطق الانتشار، آليات المراقبة الصارمة، دور الجيش اللبناني، مستقبل قوات الطوارئ الأممية؛ حجم القوى المتعددة الجنسيات ومهامها واخيرآ آليات التحقق والمراقبة والتنفيذ.
ولعل ما يضفي على هذه المرحلة أهمية استثنائية أنها قد تكون الأولى التي يُعاد فيها النقاش حول طبيعة الترتيبات الدولية وصلاحياتها الاستثنائية. فمنذ صدور القرار 425 عام 1978 وإنشاء قوات الأمم المتحدة المؤقتة، بقي دور تلك القوات، رغم أهميته، ذو طبيعة رقابية؛ وإن ادرج في مهامها دعم الجيش اللبناني وضمان حماية المدنيين…
في السياق؛ أتت حرب تموز 2006 لتفتح مرحلة جديدة مع صدور القرار 1701، معززآ عديد «اليونيفيل» وربط وجودها بانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني. ومع ذلك، بقيت هذه المنظومة أقرب إلى “إدارة النزاع” منها إلى بناء نظام أمني مستدام، إذ استمرت الخروقات الاسرائيلية فيما بقيت أسباب الصراع الأساسية دون معالجة سياسية شاملة.
أما اليوم، فالنقاش تجاوز هذه المرحلة كلياً نحو تحول نوعي سندآ لمداولات وتصريحات عن أدوار أوروبية وأميركية أكثر اتساعاً؛ يتجاوز مجرد التعديل التقني لآليات القرار 1701، ليدخل في سياق البحث عن “ملحقات تنفيذية” وضمانات ميدانية تعيد رسم البيئة الأمنية بالكامل.
في هذا السياق، يكتسب موقف الجيش اللبناني على ما عُرف بـ«المناطق التجريبية» أهمية تتجاوز بعدها العسكري إلى البعد السيادي. فالاعتراض لم يكن على أسماء بلدات أو مواقع بعينها، بل على فلسفة التنفيذ.
إذ ترفض القيادة اختيار مناطق لا تزال الدولة تمارس فيها حضورها ليكون الانسحاب الإسرائيلي شكلياً، مع إصرار على أن تتم الانسحابات من مناطق واقعة فعلاً تحت الاحتلال بما يحقق عودة السكان ويكرّس السيادة، لا أن يُمنح العدو مكاسب سياسية أو إعلامية من خلال إعادة انتشار في مناطق لم يغادرها الجيش أساساً.
يعكس هذا الخلاف التباين العميق حول مفهوم الاتفاق وبنوده. فبينما يسعى لبنان إلى ترجمة التفاهم بانسحاب فعلي يعيد بسط سلطة الدولة، تصر حكومة العدو على ترتيبات أمنية تمنحها هامشاً واسعاً من حرية الحركة عبر “الحزام الأمني” أو “المنطقة الصفراء” تهدف من خلالها إلى قضم السيادة تحت مسمى المناطق العازلة، ما يفقد اتفاق الإطار المُوقَّع في واشنطن قيمته وجديته.
توازيآ، يواصل العدو استثمار الوقت مواصلآ عملياته العسكرية بوصفها أدوات تفاوضية تفرض وقائع ميدانية قبل أي اتفاق سياسي، وهو سلوك متجذر في العقيدة الإسرائيلية لتكريس معادلة أمنية طويلة الأمد تضمن لها دوراً دائماً في إدارة الحدود الشمالية.
وسط هذا المشهد، يبرز الدور الأميركي بوصفه الأكثر تأثيراً، حيث انتقلت واشنطن تدريجياً من الوساطة التقليدية إلى رعاية وإدارة مسار تفاوضي متكامل تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية والأمنية والسياسية. من هذا المنظور، تكتسب زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى البيت الأبيض أهمية استثنائية، قد تمنح لبنان فرصة لتثبيت حضوره شريكآ في الترتيبات الجارية، وإعادة التأكيد على دعم الجيش اللبناني مؤسسة شرعية وحيدة ضامنة للسيادة.
غير أن المستوى الاستراتيجي يفرض علينا واقعية صارمة؛ فالولايات المتحدة، وإن أدارت الوساطة، تبقى الحليف الاستراتيجي الأول لإسرائيل، وهو ما يجعل أي ضغط تمارسه محكوماً بحسابات إقليمية تتجاوز الساحة اللبنانية. بناءً عليه، فإن نجاح الزيارة لن يُقاس بحجم التصريحات الدبلوماسية الإيجابية، بل بقدرة واشنطن على تحويل التزاماتها السياسية خطوات ملموسة وضمانات فعلية تكفل احترام الاتفاقات، وإلا تلاشت النتائج أمام وقائع الميدان التي تتغير بوتيرة أسرع من المفاوضات.
بموازاة الحراك الأميركي، ما يلفت الانتباه تصاعد النقاش الأوروبي حول دور أوسع في الجنوب اللبناني لمرحلة ما بعد الحرب. هذه الطروحات في جزء منها تدور حول تعديل آليات القرار 1701، فيما يعكس الحراك الاميركي رؤية أحادية تفرض قواعد اشتباك وآليات إشراف جديدة تثبت تفاهمات ضمن تسويات سياسية تنهي الصراع. بعيدآ عن ارتهان لقرارات الأمم المتحدة او تشارك مع الاتحاد الاوروبي.
استنادا لما تقدم، يبقى السؤال الأكثر أهمية لبنانياً بامتياز: إذا كانت الاطراف الدولية تبحث في شكل النظام الأمني المقبل، فهل يمتلك لبنان رؤية وطنية موحدة لما يريده..؟ وهل يحتفظ بمقاربة شاملة تحدد مفهوم الأمن القومي، ودور الجيش، وحدود الشراكة مع المجتمع الدولي..؟
إذ من الثابت أن الفراغ في الرؤية تملؤه المبادرات الخارجية. وعندما تغيب أدوات التخطيط الاستراتيجي Strategic planning tools ومخططات التقارب Affinity Diagram يصبح الآخرون مُقررين، يرسمون قواعد الاشتباك، ويصوغون آليات التنفيذ بما ينسجم مع مصالحهم. ثم ان الأمن لا يُبنى بالقوات الدولية وحدها، بل بإرادة سياسية قادرة على تحويل الدعم الدولي رافعة للدولة وقواها العسكرية لا بديلآ عنها.
ختامآ؛ التحدي الحقيقي اليوم يكمن في مدى احتفاظ الدولة اللبنانية بحقها في تعريف أمنها القومي، وصوغ استراتيجيتها الوطنية، واتخاذ قرارها السيادي بنفسها. قبل اكثر من 2500 عام كتب الجنرال الصيني SUN TZU الخبير العسكري والفيلسوف: “الاستراتيجية من دون تكتيك هي أبطأ طريق إلى النصر، والتكتيك من دون استراتيجية هو الضجيج الذي يسبق الهزيمة.”!
————————————————————
*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية.