من سلسلة حكاية شارع (2).. شارع الرشيد
خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم : دانيا يوسف*
اليوم تقودنا خطواتنا إلى عاصمة الرشيد، إلى مدينة كانت يوماً منارة للعلم والعمران، إلى بغداد. حيث نمشي في شارع هو أشبه بشاهد عيان على قرن كامل من تاريخ العراق، من أيام العثمانيين إلى يومنا هذا. إنه الشارع الذي لا يُذكر إلا وتُذكر معه بغداد، إنه شارع الرشيد.
انه شارع عريض ممتد، تحيط به الأبنية القديمة ذات الطراز العثماني والهندسة الفريدة، مع شرفات خشبية متقنة تدلى من الواجهات. على جانبيه، دكاكين ومحلات تعرض كل ما يخطر على البال: من كتب ومخطوطات نادرة إلى أدوات منزلية بسيطة. في الهواء، تختلط روائح البهارات المعتقة مع رائحة الحلويات البغدادية الشهيرة. هنا، تسمع لهجة بغداد الأصيلة، المليئة بالحكايات والدعابات. هذا ليس مجرد شارع، بل هو سوق، وصرح ثقافي، وملتقى لأهل بغداد، وشاهد على مئات الأحداث التي شكلت تاريخ العراق الحديث.
لكن لماذا سُمي هذا الشارع بهذا الاسم؟ يعود تاريخ بناء شارع الرشيد إلى العهد العثماني، وتحديداً في عام 1916، بأمر من الوالي خليل باشا، وكان يُعرف في البداية باسم “جادة خليل باشا” أو “شارع الخليل”. ولكن بعد انتهاء الحكم العثماني وقيام المملكة العراقية، أطلق عليه اسم الخليفة العباسي الشهير هارون الرشيد، الذي أصبحت بغداد في عهده عاصمة العالم المزدهرة. الاسم لم يكن فقط تكريماً للخليفة العباسي، بل كان رمزاً لأمل جديد في إحياء مجد بغداد التليد ونهضتها الحديثة.
السير في شارع الرشيد هو قراءة لتاريخ بغداد منذ القرن الماضي. هنا، تقف المدرسة المستنصرية العريقة، التي كانت منارة للعلم منذ العصر العباسي. وهنا، أيضاً، سوق الشورجة، أكبر وأشهر أسواق بغداد، الذي يعج بالحركة منذ الفجر. وعلى جانبيه، صروح ثقافية مثل مطبعة المعارف الأولى، ودور نشر وكتب تاريخية، ومقاهٍ تقليدية كانت ملتقى للأدباء والمفكرين. لا يمكن نسيان ساعة القشلة الشهيرة، التي تطل على الشارع من مبنى القشلة (السراي) القديم، والتي كانت ولا تزال نقطة التقاء للبغداديين.
“هل تعلم؟”
– هل تعلم أن شارع الرشيد كان أول شارع في بغداد يتم إنارته بالمصابيح الكهربائية، وكان ذلك في العشرينيات من القرن الماضي؟
– هل تعلم أن هذا الشارع شهد أول خط للترامواي في بغداد، الذي ربط المدينة من الباب الشرقي إلى باب المعظم؟
– هل تعلم أن شارع الرشيد كان مسرحاً لأهم الأحداث السياسية في تاريخ العراق، من المظاهرات ضد الاستعمار البريطاني، إلى انقلابات وحروب متعاقبة، وصولاً إلى أحداث ما بعد 2003؟
– هل تعلم أن الشارع يحتضن أقدم مكتبة في بغداد، وهي “مكتبة المثنى”، التي كانت ومازالت مقصداً للباحثين عن الكتب النادرة والمخطوطات التاريخية؟
شارع الرشيد هو أكثر من مجرد طريق. إنه ذاكرة بغداد الحية، وشاهد على جمالها وآلامها. إنه الشارع الذي روى وقائع القرن العشرين بكل تفاصيله، من أيام العثمانيين إلى الملكية فالجمهورية فالحروب والأحداث المتلاحقة. يمثل شارع الرشيد روح بغداد التي لا تموت، برغم كل ما مر بها من عواصف. إنه المكان الذي يتجسد فيه إصرار البغداديين على الحياة، وحبهم للثقافة والتجارة والاختلاط.
———————————————
* رئيسة القسم الثقافي في “الدنيا نيوز”.