مفاوضات البنتاغون.. تفكيك التفاصيل العسكرية لإنضاج التفاهمات السياسية..!
خاص – “أخبار الدنيا”

بقلم: العميد منذر الأيوبي*
لا تَشْرّع اللجان العسكرية في الانعقاد والحرب في أوج استعارها، بل تولد لحظة جنوح القوى الفاعلة نحو استشراف المآلات وهندسة الواقع البديل. من هنا، فإن ميزان الأهمية لا يُقاس بالمدى الزمني لجلسات التفاوض ولا بما ينضح عن بياناتها الختامية، وإنما بالدلالة السياسية العميقة الكامنة في أصل فكرة التأسيس.
ثم إن فتح مسار تفاوضي عسكري بهذا المستوى، وفي مقر وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) عبر لجنة ثلاثية تجمع لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، ليس إجراءً تكتيكياً؛ بل هو مؤشر قاطع على قناعة راسخة لدى الطرف الأمريكي المؤثر أن الوضع الراهن شارف على النفاد ولم يعد قابلاً للاستمرار بصيغته الحالية.
وفي هذه الانعطافة بالذات، تتنحى جهود “إدارة المواجهة” لتخلي مكاناً لـ “إدارة النتائج”، وينتقل الثقل من محاولات تطويق الأزمة إلى صياغة العقيدة الأمنية للمرحلة المقبلة، بمشاركة مباشرة من أطراف الصدام والرعاية الدولية.
في العرف الاستراتيجي، لا يتبوأ العسكريون سدة التوجيه السياسي، بل تنحصر مهمتهم في ترجمة الإرادة السياسية العليا بالوقائع والإجراءات. عليه، فإن تصدُّر لجنة عسكرية لملفات بهذا الحجم في هذه المرحلة وبالتوازي مع المحادثات السياسية الجارية، يوضع في احد خانتين : إما لتسهيل وتمهيد الطريق للديبلوماسية، او كونها انعكاس لتفاهم مسبق، وإن حُجِب او تحفظ عليه…
بيد أن هذا التوصيف لا يعني بالضرورة ارتقاء دور اللجنة إلى حد وضع هندسة استراتيجية بعيدة المدى، أو صياغة البنية الأمنية للمنطقة من نقطة الصفر. ففي النزاعات المركّبة، تتقاطع المسارات السياسية والعسكرية في خطوط متوازية لا متتالية.
وحين تلامس الأطراف عتبة التفاهمات الأولية حول وقف النار، أو الانسحابات المرحلية، أو إعادة التموضع، تبرز الحاجة الملحة إلى عقول عسكرية قادرة على تفكيك التفاصيل التنفيذية واختبار مدى قابليتها للتطبيق على الأرض.
ليغدو الدور الجوهري للجنة العسكرية تذليل العقبات أمام التفاوض السياسي وتسريع إنضاج حلول قابلة للحياة. فالعسكريون هنا لا يصنعون السياسة، بل يمهدون لها الأرضية ويحمونها من الانزلاق في تعقيدات الميدان وحساباته الوعرة.
من هذا المنظور التقييمي، يتبدى أن الحراك العسكري الجاري هو حلقة في سلسلة أوسع تتخطى مجرد لجم الخروقات الميدانية المعتادة. فحتى لو اقتصر الهدف الآني على وقف لإطلاق النار وتثبيت الهدنة كهدف ذو أولوية، فإن تشريح التفاصيل التنفيذية يساهم، طوعاً أو كرهاً، في تخطيط الملامح العامة للبيئة الأمنية الناشئة. لذا، فإن قيمة هذه اللقاءات تتجاوز الملفات المطروحة على طاولة البحث اليوم، لتشتبك مباشرة بصناعة الغد.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن لكل طرف مآربه وحساباته:
-إسرائيل: تقرأ الملف عبر منظار أمني ممتد؛ إذ لا يقف طموحها عند إخماد الجبهة الراهنة، بل يتعداه إلى تجفيف المناخات التي أنتجتها أصلًا. وينصبّ تركيزها الأساسي على تكريس صيغة أمنية تبدد مخاوفها المستقبلية وتمنح مستوطناتها الشمالية حزاماً من الاستقرار المستدام، دون أن يحد ذلك أو يلجم أطماعها الاستراتيجية في الإقليم أرضاً وموارد…
-الولايات المتحدة: تقارب الملف اللبناني باعتباره حجراً في أحجية إقليمية أوسع؛ فالرؤية الأمريكية لا تفصل الأزمات في جغرافيا المنطقة بل تقرؤها كأوانٍ مُسْتَطرقة ضمن منظومة جيوسياسية موحدة. ومن البديهي أن تسعى واشنطن لصياغة معادلات تخفض منسوب الانفجارات الدورية، بما يضمن صيانة مصالحها ومصالح حلفائها.
-لبنان: في موقع لا يحسد عليه، يواجه معادلة بالغة التعقيد والخطورة؛ إذ يخوض غمار التفاوض مكبلاً بإنهاك اقتصادي، وتصدع سياسي، وهشاشة أمنية تضيق معها هوامش المناورة، وتضعه أمام ميزان قوى راجح لغير صالحه. ومع ذلك، فإن هذا الاختلال لا يعني حتمية الاستسلام للإملاءات، أو التحول إلى مجرد متلقٍ سلبي لإرادات الآخرين.
إذ إن العواصم التي تمر بمراحل الانكفاء والضعف، تظل محتفظة بأوراق قوة نوعية مستمدة من فرادة المكان (الجغرافيا) التي تجعل استقرار الجوار رهناً باستقرارها وتضع حدّاً للاستنزاف المتبادل، ومن تأييد الشرعية الدولية المستندة إلى القرارات الأممية الثابتة كإطار قانوني لا يمكن تجاوزه، وحقيقة أن استقرار المحيط مرتبط شرطياً باستقرارها.
لكن فاعلية هذه الأوراق تبقى رهناً بوجود رؤية وطنية جامعة، وقدرة صلبة على تحديد الأولويات والخطوط الحمراء؛ فالتفاوض من موقع ضعف قد لا يفضي بالضرورة إلى خسارة مطلقة، لكن غياب الرؤية الواضحة هو ما يضمن التنازلات وحتى الهزيمة الحتمية.
تأسيساً على ذلك، فإن الجدل الراهن يتجاوز بكثير فكرة احتواء تداعيات جولة قتالية أو تنظيم تدابير حدودية مؤقتة، بل يمس عصب المحاولة الجارية لإعادة بناء القواعد الحاكمة للواقع الأمني.
من جهة أخرى؛ فإن الترتيبات الأمنية ليست مجرد نصوص تقنية جافة؛ وهي بالتقادم الزمني تتحول من تدابير إلى حقائق سياسية قائمة، ثم إلى توازنات مستجدة، لتصبح في نهاية المطاف قواعد راسخة تحكم سلوك القوى لسنوات طوال.
وهنا تبرز الخطورة الكامنة في تفاصيل الآليات التقنية (كآليات التحقق والمراقبة)، إذ قد تتحول بمرور الوقت إلى قيود ذاتية تقضم تدريجياً من مفهوم السيادة الوطنية المطلقة للدولة على أرضها. ولأجل هذا، فإن التحولات التاريخية الكبرى غالباً ما تولد من رحم قاعات مغلقة، وخرائط ميدانية، وبنود ظُنَّ وقت إقرارها أنها مجرد تفاصيل عابرة.
كما أن المحك الحقيقي لأي مسار تفاوضي لا يكمن في البلاغة السياسية خلف الأبواب الموصدة، بل بما يترجمه الواقع على الأرض؛ فالوقائع هي المرآة الحقيقية للتفاهمات وليس الحبر السائل في البيانات. وإذا كانت الأيام الخوالي قد استُهلكت في إدارة الحرب، فإن الحاضر يتركز حول هندسة ما بعدها.
من هذه المنطلقات، تُفصِح اللجنة العسكرية عن أهميتها؛ باعتبارها المؤشر الأبرز على انتقال بوصلة الاهتمام من وقائع الصدام إلى شكل البيئة الأمنية والسياسية المفترضة. وهذا التحول في الأجندات، هو بحد ذاته، الحدث الاستراتيجي الأهم.
في المحصلة، لا تبدو ولن تكون المنطقة جامدة عند عتبة محاولة تقليدية لتهدئة الأجواء، بل بدأت تنخرط في مخاض عسير لتثبيت قواعد اشتباك وإدارة مغايرة للواقع.
قد يكتب لهذه القواعد النجاح أو يدركها التعثر، وقد تفرض حضورها أو تصطدم بعقبات كأداء، غير أن اليقين الثابت وسط كل هذه المتغيرات، هو أن النقاش قد غادر مربع الأمس، ليمسك بزمام الغد. وهنا تحديداً، يكمن الثقل الحقيقي لكل ما ينسج الآن خلف الأبواب المغلقة…
—————————
*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والجيوسياسية