صنعاء…مدينة تختزل الزمن (1)
خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم : دانيا يوسف*
إنها لوحة شعرية حيّة نسجتها أيادي التاريخ وأنفاس الشعراء. مدينة صنعاء اليمنية التي تحمل تناقضا أخّاذا: جمال العمارة الذي أدهش اليونسكو فجعلها تراثا عالميا عام 1986 ، وجراح الحرب التي حوّلت أحجارها إلى شواهد على الصمود. في هذه الحلقة، سنفتح أبواب مدينة سكبت من روحها على صفحات الأدب، فسكنتها الكلمات كما يسكن الطين الماء.
صنعاء كما رآها الشعراء، وكما وصفها الرحالة، وكما تخيّلها الساردون في الأدب العربي والعالمي…
فهنا، لا تسير في شوارع، بل في سطور حية، حيث المعمار نص، والرائحة ذاكرة، والصوت حكاية.
صنعاء في الأدب العربي:
شكّلت صنعاء ذاكرة عربية حية نقشتها أقلام الأدباء والرواة عبر القرون. مدينة الألف مئذنة، صنعاء، أو صنعاء القديمة بالتحديد، هي جوهرة اليمن التي ألهمت العديد من الكتاب والشعراء.
فالأديب والشاعر اليمني عبد العزيز المقالح وصفها في كتابه “صنعاء التي رأيت”.
“صنعاء، المدينة التي لا تشبه إلا نفسها. لا تتكرر في المكان، ولا تتقادم في الزمان. كل صباح تفتح نوافذها على دفاتر التاريخ، وتترك لزائريها متعة الاكتشاف. لها رائحة الخشب المعتق، وصوت المياه القديمة، وحضور الطين الموشى بالأمل.”
وكان للمدينة حصتها في كتاب “ملوك العرب” للأديب اللبناني أمين الريحاني حيث وثّق زيارته لصنعاء سنة 1922.
“صنعاء، يا مدينة الأسوار العالية، ووجوه الناس المشرقة، والمآذن التي تعانق السماء!
فيها من البساطة ما يأسرك، ومن القدم ما يُبجلك، ومن الجمال ما يُدهشك. تمشي في شوارعها كأنك تمشي في لوحة معلّقة على جدار الزمن.”
وفي روايته “صنعاء: مدينة مفتوحة” يقدّم الكاتب اليمني محمد عبد الولي
صورًا حية للمدينة وشخصياتها.
“كانت صنعاء تتنفس الغبار واللبن والعطور القديمة. بيوتها الشاهقة، كأنها قلاع من طين، تلتصق ببعضها البعض في أزقة ضيقة لا يكاد يمر منها شخصان جنبًا إلى جنب. وعلى نوافذها المزخرفة بـالقمرية، كانت النساء يطللن كالفراشات، تراقبهن عيون الرجال في الأسفل. صوت الأذان يتداخل مع أصوات الباعة في سوق الملح، ويرتفع إلى سماء زرقاء صافية، تزيدها زرقة تلك النوافذ الشبيهة بالنجوم.”
صنعاء في الأدب العالمي:
احتلت صنعاء مكانة هامة تحديدا في كتابات الرحالة والمستشرقين الذي توافدوا اليها.
فهذا هيرمان بورخارد (Hermann Burchardt) المستشرق والمصوّر ألماني، الذي زار صنعاء سنة 1901 يعبّر عما شاهده بالكلمات.
“كل شيء في صنعاء يحكي قصة.
لا ترى المدينة، بل تعيشها: في أبوابها، في وجوه سكانها، في الأصوات المتصاعدة من الأسواق.
لقد وجدت فيها مدينةً من الطين والضوء، معلّقة بين السماء والأرض.”
أما نويل باربر (Noel Barber) الصحفي والروائي البريطاني فكانت له أيضا مع المدينة حكاية جميلة.
“صنعاء تشبه قصيدة بلا عنوان…
مدينةٌ تُبقي أسرارها في الجدران العالية، وأحلامها في النوافذ الملوّنة.
إنها المكان الذي لا يغادر الذاكرة.”
الدبلوماسي الهولندي ومؤلف كتاب “اليمن: مملكة في الجبال” دانيال فان دير ميولن (Daniel van der Meulen) كتب:
“عندما وصلت صنعاء، شعرت أنني دخلت كتابا قديما من ألف ليلة وليلة.
بيوتها تتحدّث، أزقتها تهمس، وكل ما فيها يُشعرك أن الزمن لا يمرّ، بل يدور في حلقة من دهشة.”
بدوره إدوارد غليزر (Eduard Glaser) المستشرق النمساوي، زار صنعاء مرارًا بين 1880 و1890 وعبّر بكتاباته عما رآه من جماليات المدينة.
“صنعاء مدينة علم وحكاية.
ليست جميلة فقط، بل ذكية ومفكرة.
حين تمشي في أسواقها، تشعر أن كل شيء يتكلّم: الحجارة، الكتب، وحتى الغبار.”
صنعاء في الشعر:
تظهر صنعاء بقوة في قصائد الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح. من قصيدة “صنعاءُ في قلبي” نقتطف:
“أراكِ كأنك حلم على قمة الوهم، يمضي ولا ينتهي
كأنك ذاكرة قديمة تنبت بين الضلوع
مدينة لا تنام، وإن نامت الجبال من حولها.”
وتحدّث شاعر اليمن عبد الله البردوني عن صنعاء، لا كمدينة، بل ككائن شعري يعيش في وجدانه في قصيدته “صنعاء”
“صنعاء يا جبهة الشمس، يا وسط القلب
ويا بسمة الفجر حيناً، وحيناً دموع المغارب
تمدين من فجوات الجبال، ومن نَفَس البحر طيب العطور
وتسقين شمس الجباه ارتواء الطهور”.
وهذا الشاعر اليمني مطهر الإرياني يتحدث عنها بفخر في قصيدته “يا صنعاء”
“يا صنعاء يا كنز الفخار ومجمع الأنوار
يا زهرةً فاحت على شطآن كلّ الدهر والأعمار
يا قلعةً محفورةً في الصخر، يرويها الزمان بحبر أسرار”
ولمن يسأل عن جوهر المدينة يقرأ لشاعرها إبراهيم الحضراني من قصيدة “صنعاء”
“يا سائلي عن صنعاء إن كنت لم تزرْها
فانزل ضمير القلب تعرفها وتذكرها
هي الحبيبة، إن أبطأت عن لقياها
وجدت أنفاسها في الروح تستعر”
هكذا كانت صنعاء… لا تُروى، بل تُعاش.
سمعناها في نبض الشعر، في حنين الرحالة، وفي حكايات الروائيين الذين نسجوا من طينها حروفاً نابضة بالحياة.
مدينة علّمت الكلمات كيف تتزين، وعلمت الزمن كيف يختبئ في التفاصيل.
إلى لقاء جديد مع مدينةٍ أخرى، وحكاية من أدب لا يموت.
———————————
اعلامية، رئيسة القسم الثقافي في موقع “الدنيا نيوز”