النسر … سيد الرموز في السماء (1)

 

خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم : دانيا يوسف*

نتناول اليوم رمزا لا يخطئه بصر… إنه طائر جعل من قمم الجبال والمخاوف مسكنا له، وحلق بجناحيه من أقدم الحضارات ليستقر على أعلام وشعارات أعتى دول العالم. إنه سيد الطيور، وقاهر الأفاعي، ورمز السيادة الذي لا يُضاهى: النسر.
في أرض بلاد ما بين النهرين من ألف سنة قبل الميلاد، كان السومريون والأكاديون ينظرون إلى السماء، يرون هذا المخلوق الجبار ينقض على فريسته بقوة وبأس. فماذا رأوا فيه؟ رأوا تجسيدا للإله “نينورتا”، إله الحرب والصيد. لم يكن النسر مجرد طائر، بل كان قوة إلهية تحمي الأرض وتنتصر على الأعداء. ومن هناك، بدأت الرحلة.
لكن الرمز اكتسب قوته الحقيقية مع الإمبراطورية الرومانية. فالنسر الروماني المعروف باسم Aquila، كان أعظم وأقدس رمز لروما والذي كانت تحمله الفيالق العسكرية الرومانية، والذي يعد فقدانه أو ضياعه أو غنمه في المعارك كارثة وعار كبير لروما، حيث يتوجب على الجيش الروماني المحافظة عليه مهما كلف ذلك من مال وأرواح.
هذا النسر كان يرافقه دائما أربعة حروف و هي “S.P.Q.R” وهي إختصار ل: “Senatus Populusque Romanus” وتعني بالعربية “مجلس شيوخ وشعب روما”… كان هذا التمثال الفضي المحمول على قضيب طويل هو الروح الحقيقية للفيلق.
وبينما كانت روما تزول، كان للنسر أن يحلق في سماء أخرى. في العالم الإسلامي، وخاصة في العصر المملوكي والعثماني، أصبح النسر، أو الطائر ذو الرأسين، رمزا قويا للسلطة. لماذا رأسان؟ إنها رمزية عميقة. إنه يرمز إلى سيادة السلطان على الشرق والغرب، إلى قوته الدنيوية والروحية، إلى حكمه لأرضين من مكان واحد. لقد التقط العثمانيون هذا الرمز ورفعوه عاليا، ليرمز إلى امتداد إمبراطوريتهم الشاسعة.
أما في العصر الحديث، فقد هاجر النسر عبر المحيط الأطلسي. في الولايات المتحدة، تم اختيار النسر الأصلع في عام 1782 ليكون الشعار الوطني. لكن لماذا؟ لقد كان اختيارا مدروسا. أراد الآباء المؤسسون رمزا أصيلا يعبر عن الحرية والقوة والسيادة. في مخالب النسر الأمريكي، ترى غصن زيتون يرمز للسلام، وسهاما تمثل الاستعداد للحرب. إنه توازن القوة والإرادة السلمية.
وفي ألمانيا، قصة النسر مختلفة. هذا النسر يسمى بالالمانية Reichsadler ريخسادلر او نسر الرايخ. وقد كان شعارا لالمانيا منذ بدايات الامبراطورية الرومانية في بداية القرن التاسع للميلاد. وهذا الشعار مستوحى في الاصل من النسر الروماني الذي كانت تحمله الفيالق الرومانية قبل ان يتحول الى رمز للامبراطورية الرومانية سابقا وظل النسر شعارا لكل الانظمة و الممالك التي تعاقبت على حكم المانيا الى يومنا هذا.. لقد كان رمزا للسلطة المستمرة منذ شارلمان، عبر القيصر الألماني، وصولاً إلى الجمهورية الألمانية الحديثة اليوم.
ودعونا لا ننسى، أن النسر يحلق عاليا في سماء وطننا العربي. ها هو على شعار مصر، وهو ينتشر في شعارات العراق، واليمن، والأردن، وفلسطين. في كل مكان، يحمل النسر العربي دلالات القومية والوحدة والقوة، متشبثا بلوحة “جمهورية مصر العربية” أو يحمل علم الثورة العربية الكبرى في منقاره كشعار الأردن.
لكن ليست كل النسور متشابهة. الفروق في التصميم تحمل معاني كبيرة.
الرأس: إذا نظر النسر إلى اليمين، فهو غالبا رمز للسلام والتطلع نحو المستقبل كما في النسر الأمريكي. أما إذا نظر إلى اليسار، فقد يكون رمزا للحرب أو الصراع كما في بعض الشعارات التاريخية.
الأجنحة: الأجنحة المفتوحة تعني القوة والهيمنة والاستعداد للطيران. الأجنحة المضمومة قد تعني الوقار والثبات.
المخالب: ما تحمله في مخالبه يحدد رسالته. غصن زيتون للسلام، وسهام للحرب، أو درع للدفاع عن الأمة.
ختاما، يحمل النسر في طيات جناحيه تناقضا مثيرا. إنه رمز للحرب والسلام، للقوة والسيادة، للتاريخ القديم والطموح الحديث. من فينيقيا إلى روما، من إسطنبول إلى واشنطن والقاهرة، ظل هذا الطائر الأسطوري الخالد يرافق تطور الإنسانية، وهو يذكرنا بأن الرموز، عندما تكون جذورها ضاربة في التاريخ، تصبح لغة عالمية يفهمها الجميع.

——————————-

اعلامية، رئيسة القسم الثقافي في موقع “الدنيا نيوز”