خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم : د. ميرنا داود*
في تشريح الخديعة التي تسكننا
حصان طروادة..!!
قال هيغل مرة: “ما نتعلمه من التاريخ أننا لا نتعلم من التاريخ”.
وهكذا، في كل عصر، يعود حصان طروادة. لا كخشب وصهيل، بل كفكرة. كقناع. كيقينٍ مسموم.
أولاً: الخديعة الكبرى
في الإلياذة، لم يهزم أوديسيوس طروادة بسيفه، بل بحيلته. الطرواديون لم يسقطوا لأن أسوارهم ضعفت، بل لأن يقينهم انكسر. ظنوا الهدية سلاماً، فكانت قبراً.
المدينة لا تُغزى من الخارج إلا بعد أن تُهزم في الداخل. هذا هو الدرس الأول الذي يرفض أن يموت.
كل سقوطٍ عظيم يبدأ بخللٍ في المناعة. ليس مناعة الجدران، بل مناعة العقل.
ثانياً: في الخديعة السياسية
الخديعة السياسية ليست كذبةً تُقال، بل حقيقةٌ ناقصة تُغلّف كهدية. هي فنّ تحويل السمّ إلى دواء في نظر الضحية. لا تأتيك الخديعة شاهرةً سيفها، بل حاملةً وردة. لا تصرخ في وجهك، بل تهمس في أذنك بما تحب أن تسمع.
وللخديعة ميكانيزمات تعمل في الظل:
1. تفريغ المصطلح: أن تسرق الكلمات الكبرى – حرية، عدالة، سيادة – وتفرغها من معناها، ثم تعيد تعبئتها بسمّك الخاص. حينها يصبح الضحية هو من يدافع عن سجّانه، ويهتف لقيوده وهو يظنها أوسمة.
2. صناعة العدو: أن تصنع فزّاعةً في الخارج لتوحّد القطيع في الداخل. العدو ليس خطراً بقدر ما هو ضرورة. ضرورة لتبرير القبضة، ولإسكات السؤال، ولتمرير الحصان تحت غبار المعركة.
3. هندسة التوقيت: أن تقدم الحصان لا في زمن الحرب، بل في زمن التعب. حين تكون المدينة منهكة، متعطشة لأي “حل”، لأي “هدية”، لأي وعدٍ بالخلاص.
4. تطبيع الاستثناء: أن تجعل الطارئ دائماً، والمؤقت أبدياً. أن يصبح الخرق هو القاعدة، تحت شعار “الظرف لا يحتمل”.
في السياسة، الخداع الأعظم هو أن تُقنع الخصم بأن يقاتل معركتك وهو يظنها معركته. أن يفتح لك الباب وهو يغني نشيد الانتصار. أن يرى القيد سواراً، والقفص وطناً.

ثالثاً: أقنعة الحصان
نيتشه كان محقاً: “الحقائق أوهام نسينا أنها كذلك”.
حصان اليوم لا يصهل. هو يرتدي قناع “الضرورة”. يأتيك باسم “الاستثمار” ليبيع السيادة. باسم “المعلومة” ليسرق الذاكرة. باسم “التحرر” ليصنع عبودية جديدة. باسم “الحياد” ليُمرر الانحياز.
المأساة الإغريقية تتكرر: نحن من نفتح البوابة، ونحن من نجرّ الحصان إلى الساحة، ونحن من نحتفل به.
الخطر لم يعد يأتي في سفينة حرب. صار يأتي في تطبيقٍ مجاني، في قرضٍ ميسّر، في مصطلحٍ برّاق، في خبرٍ عاجلٍ لا نسأل عن مصدره.
رابعاً: من يحرس الحراس؟
أفلاطون سأل: من يحرس الحراس؟
وجوابنا في 2026: الخطر الأكبر ليس في العدو، بل في الحارس الذي كفّ عن الشك. المدينة التي فقدت “ملكة الارتياب” هي مدينة مكشوفة، حتى لو كانت أسوارها من فولاذ.
نحن لا نُهزم بالغزو. نُهزم عندما نستبدل الشك باليقين، والسؤال بالهتاف، والتفكير بالتصفيق.
حصان طروادة يسكننا. هو تلك الفكرة التي ندخلها إلى عقولنا دون تفتيش، لأنها مغلفة بالكلمات التي نحبها: تقدم، سلام، نمو، انفتاح. هو ذلك اليقين الذي ننام عليه، فنستيقظ على الخراب.
خامساً: التاريخ شاهد
طروادة سقطت مرة. لكنها تسقط كل يوم، في كل مدينة تظن أن الخطر دائماً يأتي من الخارج.
في كواليس السياسة، الحصان لا يُصنع في ورشة العدو. في معمل الوهم الداخلي. يُبنى من طمأنينة كاذبة، ومن ثقةٍ عمياء، ومن كسلٍ عن السؤال.
السؤال ليس: متى سقطت المدينة؟
بل: كم حصاناً أدخلناه اليوم، وبمحض إرادتنا، إلى هيكل المدينة… وهيكل العقل؟
الخلاصة: عدو الداخل
في السياسة، أخطر الغزاة هم الذين نستقبلهم بالورود.
وأقوى الحصون ليست تلك التي تصدّ السهام، بل تلك التي تفتّش الهدايا.
الحرب اليوم ليست على الأرض، بل على تعريف الأرض. ليست على الحدود، بل على تعريف الخطر.
ومن لا يملك “شكّاً مقدساً” في وجه كل يقينٍ مُغلّف، سيكتشف متأخراً أن حصان طروادة لم يكن أسطورة إغريقية… بل سيرة ذاتية تتكرر.
حصان طروادة لا يموت. لأنه ببساطة… يسكننا.
————————————-
* استاذة جامعية، رئيسة قسم البحوث العلمية والفكرية في موقع “الدنيا نيوز”