هوامش على دفتر الحرب (٤)

 

 

خاص – “اخبار الدنيا”

 

بقلم : دانيا يوسف*

عندما تصبح البيوت ذكرى 

بيت جدي في قريتي الحبيبة “طيرحرفا” والتي دمّرت بالكامل ليس بيتا يُكتب عنه على الهامش.
إنه بمثابة النبض الذي يشعرك أنك تعيش بشكل صحي وتتنفسّ عشقا لكل تفصيل فيه وتحب عمرك الذي قضيته تحت سقفه المهترئ.
في آخر الضيعة، في حي “أبو شاش” الذي حرص العدو الاسرائيلي على تهديده بالاسم بالخرائط وكأنه مفصول عن القرية، كنا نسابق الشمس للوصول إلى بوابة الدار.هذا البيت بتقسيمه العشوائي الذي لم يخضع لقواعد المهندسين،والذي لم تلمسه ربما فرشاة دهّان منذ أن وعينا على هذه الحياة،والذي يحتوي أثاثا قديما وغرفة عربية شهدت على أجمل سهراتنا وعلى حكايات عمتي وأشعارها،كان يجمعنا دوما على الودّ والدفء وجمال الأوقات…


شرفته تطلّ على طبيعة ساحرة تشمل حقول قريتنا وصولا إلى قرية شمع.تحت الشرفة غرفة صغيرة بابها قليل الإرتفاع يسمونها “الخشّة” تذكرني بجدتي رحمها الله التي كانت تدخلها باستمرار لتوضّب المونة فيها.عند الجهة الشرقية،سور بحجارة قديمة كان أيضا بيتا قديما لكنه تحوّل فيما بعد إلى بقعة تزرع فيها عمتي الفول والبصل الأخضر وغيرها… أمامه عريشة كبيرة وموقدا كنا نجتمع حوله كلما بادرت عمتي إلى صنع خبز المرقوق الطازج لتتلقفّه أيادينا بلهفة ونغمسّه بزيت الزيتون ونلتهمه بلذة لامتناهية.


تحت هذه العريشة أيضا،رسمنا لعبة “الإكس” ولعبنا حتى انقطاع النَفَس أو سهرنا حتى تبللنا بالندى.
عند مطلع البيت، وتحديدا إلى الشمال،تقبع كنوز عمتي تحت درج السطح(هذا الدرج بذخائره نجده في معظم بيوت القرية).كنت أتساءل ما سر هذه البقعة الصغيرة التي تحتوي هذا الكم الهائل من خيرات الأرض والتي ننال جميعا نصيبا منها؟أذكر اسمي واسم ابنة عمتي الذي حفرناه عندما كنا أطفالا وكبرنا وبقي الاسمان مكانهما.
على جدار الصالون،الذي نادرا ما كنا ندخله،صور الراحلين الأعزاء والدي وعمومتي الذين غيّبهم الموت لكنهم أحياء في القلب.وفي غرفة النوم صورة جدتي الوحيدة بعينها الزرقاويين الجميلتين.
بيت جدي المتواضع بأشجار اللوز والتين والرمان والخوخ والاكي دنيا والحامض المحيطة به،بكل ذكرياته الملونة التي تسكن أحداق العين وتأبى مفارقتها سوي بالأرض كما كل بيوت ضيعتنا.
خلال حرب تموز،دمّرت العديد من المنازل وأعيد إعمارها.لكننا بقينا نحنّ للمنازل القديمة التي عشنا فيها والتي تذكرنا بالقرية.شعرنا أن المنازل الجديدة رغم جمالها لا تعني لنا شيئا وزاد تعلّقنا ببيت جدي والبيوت التي تحيط به في “أبو شاش” لأنها تمثّل ذكرى القرية الحقيقية:القرية القديمة.غابت معالم القرية القديمة،ومسحت معها أسماءنا عن الجدران،وألعابنا البسيطة التي كنا نجمعها من “الحواكير”،اغتالوا فرحتنا…


سنعيد بناء قريتنا من جديد،وستكون جميلة جدا بحكم موقعها المميز.لكن مَن يعيد بناء ذكرياتنا،هل تعود أشياء جدتي وعمتي وبقايا الصور؟من يعيد أشجار الزيتون المعمّرة التي اقتلعها العدو من شروشها وسرقها وما بقي من الزرع قام بحرقه؟من يرمّم حزننا الذي بنيناه داخلنا وتصدّعنا لكثرة الذكريات التي لا ننفك ننبشها خشية أن تغيب كما غابت الحجارة وتلاشت؟
على الهامش:التعبير عن الحزن لفقدان بيت يحمل ذكريات هو شعور إنساني لا يتناقض مع الرضا أو التسليم أو الايمان…كثر يريدون وصف مشاعرهم لكنهم آثروا الصمت كي لا يُساء فهمهم…

(على الهامش غدا:اغتيال المنازل التاريخية).

——————————————

* رئيسة القسم الثقافي في موقع “اخبار الدنيا”