هل أصبح جنوب لبنان جزءًا من الامن القومي التركي؟
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الأيوبي*
ليست العقائد الاستراتيجية وثائق جامدة، مرة واحدة تُكتب وثابتة تَبقى؛، بل منظومات فكرية تتطور على تبدل موازين القوى، او تغير مصادر التهديد، بما يراعي اعادة تشكيل النظامين الدولي والإقليمي. فالدول الوازنة كما الغاصبة لا تكتفي برسم حدودها الجغرافية، بل تعيد وباستمرار تعريف حدود أمنها القومي، فتتسع أو تنكمش تبعًا لمصالحها الاستراتيجية ولطبيعة البيئة المحيطة بها.
من هذا المنطلق، تبدو زيارة الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون إلى أنقرة أكثر من محطة دبلوماسية بين دولتين. فهي لم تقتصر على تعزيز العلاقات الثنائية، بل أتاحت، من خلال الخطاب الرسمي وما عكسه الإعلام التركي، قراءة جانب من التحول الذي تشهده العقيدة الاستراتيجية التركية، وانتقالها التدريجي من مفهوم حماية الحدود إلى مفهوم أوسع يقوم على المساهمة في تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بتركيا.
ثم ان اللافت لم يكن حجم الاتفاقات الاقتصادية أو السياسية، وهي بطبيعة الحال جزء من أي لقاء على هذا المستوى، بل تركيز الخطاب التركي على الأمن الإقليمي، وجنوب لبنان، والاستعداد للمساهمة في أي ترتيبات أمنية مستقبلية. وهي رسائل يصعب النظر إليها بوصفها مجرد مواقف دبلوماسية، إذ تشير ان أنقرة باتت ترى في هذا البلد مساحة ذات أهمية استراتيجية تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات العادية اللبنانية – التركية.
هنا تبرز أهمية قراءة ما عكسه الإعلام التركي، باعتباره مؤشرًا على اتجاهات التفكير داخل دوائر صنع القرار. فالصحافة القريبة من السلطة كثيرًا ما تعكس أولوياتها، وتساعد في فهم الكيفية التي تعرّف بها الدولة مصالحها ودورها الإقليمي.
عليه يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام إعادة تعريف تركية لمفهوم امنها القومي..؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل أصبح جنوب لبنان، للمرة الأولى، جزءًا منه.؟
لا يمكن فهم هذا المستجد بمعزل عن المتغيرات الكبرى التي يشهدها المسرح الدولي. فالحرب في أوكرانيا، والتنافس الاقتصادي بين القوى الكبرى، كذلك التسابق لوضع اليد على الموارد والمعادن الثمينة، اضافة إلى تراجع نموذج الأحادية القطبية، وعودة الأقاليم إلى لعب أدوار أكثر استقلالية، كلها عوامل دفعت العديد من الدول لمراجعة مفاهيمها التقليدية للأمن القومي.
في هذا السياق تبدو الصورة أكثر وضوحًا في الشرق الاوسط. فالمشهد السوري دخل مرحلة جديدة، وشرق المتوسط تحول ساحة الصراع على الطاقة والممرات البحرية، فيما ترزح الولايات المتحدة تحت ثقل إدارة التوازنات عبر الشركاء الإقليميين أو الانخراط المباشر. وفي مثل هذه البيئات الانتقالية، لا تنتظر القوى الإقليمية استقرار النظام الجديد، بل تسعى إلى المشاركة في صياغته، التراجع قاتل ومن يغيب عن لحظة التأسيس سيجد نفسه لاحقًا مضطرًا للتكيف مع قواعد وضعها الآخرون.
من هذا المنظور، لم تعد السياسة التركية سيما خلال السنوات الأخيرة تقتصر على مراقبة الأزمات المحيطة بها. ويتجلى ذلك في حضورها المتزايد في البحر الأسود، والقوقاز، وسوريا، والعراق، وليبيا، وشرق المتوسط، وهي ساحات مختلفة جغرافيًا، لكنها تتقاطع جميعها مع تصور تركي جديد يعتبر أن أمن الدولة يبدأ من استقرار محيطها الإقليمي، وليس فقط من حماية حدودها.
ولعل هذا ما يفسر الاهتمام التركي المتزايد بلبنان. فجنوبه لم يعد مجرد منطقة حدودية مع إسرائيل، بل أصبح عقدة جيوسياسية تتداخل فيها ملفات الأمن الإقليمي، واستقرار سوريا، وأمن شرق المتوسط، والممرات البحرية،، ودور القوى الدولية في المشرق. من هنا، لا يمكن فهم الاستعداد التركي للمساهمة في أي ترتيبات أمنية كمبادرة ظرفية ترتبط بزيارة رسمية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن تركيا ستؤدي دورًا عسكريآ مباشرًا في جنوب لبنان، او تسمح بتدخل سوري طُرِح مرارآ فهذا الدور وذاك التدخل مرتبط بتوافقات دولية وإقليمية معقدة، تتداخل فيها حسابات الولايات المتحدة، وإسرائيل، والدول الأوروبية، إضافة إلى الاعتبارات اللبنانية الداخلية. إلا أن مجرد التداول في هذه الاحتمالات يكشف أن بيروت ترتبط بصورة أو بأخرى، بأمنها القومي على ما اعلن صراحةّ الرئيس رجب طيب اردوغان.
أخيرًا، تبدو زيارة الرئيس جوزيف عون إلى أنقرة محطة تؤشر إلى مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية – التركية، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع الرؤية الجيوسياسية التي تطور بها تركيا مفهوم أمنها القومي. وإذا كانت العقائد الاستراتيجية (Strategic Doctrines)تُقاس بمدى الاتساق بين الأهداف المعلنة، والقدرات المتاحة، والنتائج المحققة على أرض الواقع، فإن ما صدر عن أنقرة لا يكفي وحده للجزم بولادة عقيدة جديدة مكتملة، لكنه يشكل مؤشرًا يستحق المتابعة والقراءة المتأنية. وعليه يكتسب ما كتبه أحمد داود أوغلو في كتابه «العمق الاستراتيجي» دلالة خاصة حين يقول: “إن تركيا تمتلك ميراثًا تاريخيًا وجغرافيًا فريدًا يعطيها عمقًا يمنعها من أن تكون دولة هامشية؛ فالجغرافيا حقيقة ثابتة تُبنى على أساسها السياسات، وليست مجرد حدود مصطنعة”…
*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية