خاص – ” الدنيا نيوز”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*
السياسة ضيف ثقيل الظل. لا يطرق الباب، بل يقتحمه. يدخل المجالس بلا دعوة، ويجلس في صدر المكان، ويسكب حديثه في الآذان حتى تظن الأرواح أنها تعرف، والعقول أنها تفهم.
وحين تحل السياسة على بعض العقول، تفعل فعل الخمرة الرديئة: تسكر بلا نشوة، وتعطي صاحبها يقيناً كاذباً بأنه صار ربان السفينة وهو لا يجيد العوم. ترى الرجل كان بالأمس يجهل الفرق بين الدستور والديوان، فإذا به اليوم خبير في الاستراتيجيات، ومحلل لصراعات الأمم، وقاضٍ يصدر أحكاماً على التاريخ كله من مقعد مقهى.
السياسة حين يتبناها الجهل تصير قناعاً. قناعاً يخفي الفراغ، ويمنح صاحبه سلطة الوهم. يتحدث باسم “الشعب”، وهو لم يسمع أنين جاره. يرفع شعارات “الحرية”، وهو عبد لهواه. يفسر العالم كله بنظرية المؤامرة، لأن المؤامرة تريحه من مشقة الفهم. فالجهل لا يحتمل التعقيد، والسياسة في جوهرها تعقيد مركب: مصالح، وتوازنات، وذاكرة، ومستقبل.
والطامة الكبرى أن هذا الضيف الثقيل لا يكتفي بأن يسكن عقل مضيفه، بل يدفعه إلى المنابر. فيتكلم، ويكتب، ويغرد، ويصبح فجأة “المختص”. مختص بالجهل المركب: جهل بالمعلومة، وجهل بأنه يجهل. وهذا أخطر أنواع الجهل، لأنه يغلق على صاحبه باب التعلم، ويفتح له أبواب التباهي.
السياسة في أصلها فن إدارة الممكن، وعلم تدبير المشترك، وفلسفة العيش مع الآخر. لكنها حين تتحول إلى هوية، وحين تصير وسيلة للوجاهة الاجتماعية، تفقد روحها وتصبح طقساً من طقوس الغرور. يتحول النقاش إلى مبارزة، والرأي إلى خندق، والحقيقة إلى غنيمة.
إن الضيف لا يُلام إن كان ثقيلاً بطبعه، بل يُلام المضيف الذي فتح له الباب وهو لا يملك أدب الضيافة. وأدب الضيافة هنا هو القراءة، والشك، والتواضع أمام ضخامة الأسئلة. السياسة لا تحتاج إلى أفواه كثيرة بقدر ما تحتاج إلى عقول قليلة لكنها يقظة.
فليس كل من تكلم في السياسة سائساً، كما أنه ليس كل من حمل مبضعاً جراحاً. بعض الضيوف إن أكرمتهم رحلوا شاكرين، وبعضهم إن أكرمتهم ظنوا البيت بيتهم. والسياسة من النوع الثاني: إن بالغت في إكرامها بجهلك، استوطنتك وأورثتك العمى.
وتبقى السياسة امتحاناً لا شهادة: لا تمنحك لقب “المختص” لأنك حفظت مصطلحاتها، ولا تصنع منك فيلسوفاً لأنك لعنت خصومها. هي مرآة، إن وقفت أمامها بجهلك كشفت عريك، وإن جئتها بتواضع العارف علّمتك أن الصمت أحياناً هو أبلغ المواقف. فاختر: إما أن تكون تلميذاً دائماً في مدرستها، أو مهرجاً مؤقتاً في سيركها.