بحر قزوين… لماذا فُتح هذا المسرح الآن…؟ قراءة عسكرية في أهداف الضربة وخيارات الرد الإيراني..!

 

 

خاص – “اخبار الدنيا”

 

بقلم العميد منذر الأيوبي*

لم يكن الهجوم الذي شُنّ السبت الماضي على قطعة حربية روسية وسفنٍ أخرى تُستخدم لنقل شحنات عسكرية في بحر قزوين مجرد حادث أمني عابر، بل تطوراً يفرض إعادة تقييم لطبيعة الصراع. إذ أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الأوكرانية نفذت ضربات بعيدة المدى مرتبطة بخط الإمداد الروسي–الإيراني. في المقابل، اعتبرت إيران أن إحدى السفن المستهدفة تجارية إيرانية، معلنةً مقتل أحد البحارة، ومعتبرة الهجوم “عدواناً إجرامياً لن يمر دون رد”.

أولاً: لماذا بحر قزوين؟
يبدو أن اختيار بحرٍ ظلّ تاريخياً مسرحاً لوجستياً خلفياً (Deep Rear Logistics Stage) خارج نطاق الاشتباك المباشر لم يكن وليد الصدفة. فالبحر الأسود أصبح مسرحاً مكشوفاً للعمليات العسكرية (Exposed Theater of Operations)، وبحر البلطيق يخضع لمراقبة دقيقة في ظل الاحتكاك المتزايد بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، فيما يشكل الخليج العربي ساحة عالية الكلفة لأي مواجهة مباشرة بسبب انعكاساتها الإقليمية والدولية، أما البحر الأحمر فالعمليات العسكرية مزدحمة في مياهه المرتبطة بأزمة الملاحة وسلاسل التوريد والطاقة.

عليه، بقي بحر قزوين عقدة لوجستية ونطاقاً آمناً في عمق المسرح، وهو ما يجعله هدفاً ذا قيمة عملياتية استثنائية (High Operational Value Target) إذا كان المقصود نقل الضغط العسكري والاستخباراتي إلى أحد المسارات الحيوية التي تعتمد عليها روسيا وإيران في حركة النقل والإمداد.

ثانياً: ماذا تحقق الضربة عسكرياً؟
القيمة العسكرية للعملية لا تُقاس بحجم الأضرار المادية التي لحقت بسفينة إيرانية أو روسية، بل بنقل خط الإمداد من خانة “المسار الآمن” إلى بند مدرج على لائحة الأهداف المشروعة. فمجرد استهدافه يفرض على القيادة العسكرية إعادة تقييم أمن مسارات النقل، وتعديل إجراءات الحماية، وربما تغيير الخطوط أو زيادة الموارد المخصصة لتأمين الخلفية الاستراتيجية. وبذلك، يتحقق مفهوم “حرمان الخصم من حرية الحركة اللوجستية” (Denial of Freedom of Movement)، ويكون الأثر المباشر موجهاً إلى المنظومة اللوجستية بوصفها مركز ثقل عملياتي (Operational Center of Gravity – CoG)، لا إلى السفينة بحد ذاتها.

ثالثاً: هل كان الهدف السفينة… أم القرار الإيراني؟
هنا تبرز الفرضية الأكثر أهمية؛ فالعمليات الاستخباراتية لا تستهدف دائماً التدمير المادي للهدف، بل قد تكون شكلاً من أشكال “الاستطلاع العملياتي بالنار” (Reconnaissance by Fire) للتأثير في آلية ودورة اتخاذ القرار (Decision-Making Cycle / OODA Loop) لدى الخصم. ومن هذا المنطلق، لا يُستبعد أن تكون العملية صُممت لاختبار زمن الاستجابة (Operational Response Time) والحدود التي تسمح بها القيادة الإيرانية عند استهداف شرايينها الحيوية.

ويزداد هذا الاحتمال أهمية إذا اتجهت إيران إلى توسيع نطاق الرد عبر استخدام صواريخ بعيدة المدى خارج الشرق الأوسط. فمن الناحية العسكرية، تحافظ طهران رسمياً على سقف لمدى ترسانتها الصاروخية لا يتجاوز 2,000 كم (عبر صواريخ مثل سجيل وخرمشهر)، وهو مدى يطال أطراف أوروبا الجنوبية والشرقية. إلا أن التقديرات الاستخباراتية ترجح امتلاكها القدرة التقنية الفعلية على توسيع هذا المدى ليصل إلى ما بين 3,000 و4,000 كم عبر تقنيات برنامج دفع الناقلات الفضائية (SLVs)، مما يمنحها إمكانية ضرب العمق الأوروبي. إن إقدام طهران على خيار كهذا يتيح لخصومها جمع معطيات حيوية حول منظومات القيادة والسيطرة (Command and Control – C2)، وآليات الإطلاق، ومسارات الطيران، وفاعلية أنظمة الإنذار والدفاع؛ وهي مكاسب تكتيكية يُستفاد منها إثر الرد، أكثر من كونها الهدف التأسيسي للعملية.

رابعاً: لماذا تأخر الرد الإيراني؟
اللافت ليس غياب الموقف الإيراني، بل غياب الرَد العملياتي المباشر؛ فالقيادة العسكرية تتعامل مع الحادثة بحذر استراتيجي، إدراكاً منها أن أي رد غير محسوب قد يحقق غاية منفذ الاعتداء إن كان المقصود استدراجها إلى توسيع مسرح العمليات وفق شروطه.

في المقابل، فإن الامتناع والتمسك بالصبر التكتيكي قد يُقرأ ضعفاً أو إقراراً بإدخال خطوطها اللوجستية إلى دائرة الاستهداف الدائم في مرحلة حرجة. لتصبح القيادة أمام معضلة قرار استراتيجي تحمل فيه كل نقطة خياراً بكلفة عملياتية وسياسية مختلفة.

خامساً: هل هي رسالة مقابلة لهرمز وباب المندب؟
إذا صح الربط بين حادثة بحر قزوين والتطورات الأخيرة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، فإن الرسالة تتجاوز مفهوم الرد بالمثل في الحروب النمطية إلى أساليب الحروب الهجينة (Hybrid Warfare). فإيران لوّحت سابقاً باستخدام الممرات البحرية الدولية كورقة ضغط ورادع، بينما تشير هذه العملية إلى نقل الضغط المقابل نحو الشرايين اللوجستية التي تمنح محورها العمق العملياتي (Operational Depth)، عبر تطبيق مفهوم الإنكار والمنع من النفاذ (Anti-Access / Area Denial – A2/AD) في قلب المناطق المفتوحة.

سادساً وختاماً.. التقدير الراجح:
استناداً إلى المؤشرات المتوافرة، يصعب التعامل مع حادثة بحر قزوين بوصفها عملية معزولة. فاختيار مسرح العمليات، وطبيعة الهدف، وتوقيت التنفيذ، ترجح أن المقصود كان توجيه رسالة متعددة الأبعاد: الضغط على خطوط الإمداد الروسية–الإيرانية، وجس نبض السلوك الاستراتيجي لطهران، وإبلاغها بأن شبكاتها الحيوية أصبحت ضمن دائرة التأثير المباشر.

أما إذا جاء الرد الإيراني خارج المسرح التقليدي للمواجهة، فإن منفذ العملية يكون قد نجح في إعادة رسم قواعد الاشتباك. أما إذا امتنعت طهران عن الانجرار إلى هذا المسار (الفخ)، فتكون أدركت أن المعركة الحقيقية لا تدور حول السفينة المستهدفة، بل حول طبيعة القرار والتوقيت الذي يُراد دفعها لتبنيه…

*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية ومكافحة الإرهاب.