هوامش على دفتر الحرب (١)

 

خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم : دانيا يوسف*

النزوح

الحرب…

الكابوس المرعب الذي أصبح جزءا من يومياتنا.

أبحث في المفردات التي أصبحت كأنها قوتنا اليومي فأجد:الخوف،الحذر،الفقد،النزوح،الألم،الحاجة،البحث عن ملاذ،أين الخلاص،المعجزة، العصا السحرية، مفاوضات، خرائط، تهديد،تدمير، مسح، محو،مجازر، تصريحات، نيران، دخان، ألسنة اللهب، تجار حرب، عقارات للايجار بأسعار خيالية، استغلال، جمعيات، مدارس، خيم، أخبار سامة… وهذا غيض من فيض…
أبحث في المشاعر الانسانية فترتسم أمامي المشاهد التالية:
حشود بشرية وجدوا أنفسهم في طوفان ينتظرون أن ينشق البحر ويجدوا خلاصهم المنشود.

ليالي شهر رمضان المبارك التي يخيّم عليها الأنس والسكون، وتجتمع العائلة فيها إلى وقت السحور وأحيانا حتى مطلع الفجر،اخترقتها أصوات الغارات والمجازر.ساعات ثقيلة على الطرقات:البعض كان مستيقظا وآخرون سُحبوا من فراشهم الدافئ ووجد الكثيرون أنفسهم يخرجون بثياب النوم مع شنطة صغيرة معظم أهل الجنوب والضاحية اعتادوا توضيبها ووضعها قرب باب المنزل تحتوي مستنداتهم الرسمية وبعض المجوهرات إن وجدت.
على الشاشات اللبنانية مشاهد الضاحية الجنوبية وهي تتعرض للتدمير الوحشي وأهلها عالقين في زحمة سير خانقة ينتظرون رحمة الله.

الموت يحوم حولهم والأصوات ترعب أطفالهم. يأتيني صوت ابنة عمي وهي تخبرنا أن الغارت الاسرائيلية تمر من فوقهم ودولاب السيارة لا يتحرّك.

تخبرنا أنها مرعوبة.أكتب على الهامش:الرعب.كيف تهدئ من روع من تملّكه الرعب وأنت في قرارة نفسك ترعبك فكرة أن تفقد الاتصال معه،أن يصبح صوته مجرد ذكرى بعد أن كان مفعما بالحياة.
يأتيني صوت صديقتي وهي تخبرني أنها تتلقى اللوم من أطفالها وهم عالقون في الزحام.حدس طفلتها كان أقوى منها.أخبرتها أن اسرائيل تنتظر الفرصة وستشعل الحرب بذريعة الصواريخ الستة وطلبت منها المغادرة لكنها رفضت طلبها.تقول لي:”يا ريت رديت عليها…اذا صرلن شي مش رح سامح حالي”…
لوم الذات: مفردة أخرى على هامش الحرب:ماذا لو فعلت كذا وكذا…تقول إحداهن:ليتني بعت منزلي واشتريت في مكان آخر ربما ما كنت فقدته وفقدت معه كل ذكرياتي وذكريات أولادي.هذه “الماذا لو” مفردة جديرة أن تدرّس في كل مراحل الحياة فكيف بحالة الحرب.
أخبرني بعض الأصدقاء حول الساعات اللي تجاوز بعضها العشرين على الطرقات. ناهيك عن الرعب والأصوات،عن حال الرضع والأطفال والحوامل وكبار السن وحكايات لا تتسع كل الهوامش لها.المراسل الصحفي يعمل جاهدا لتوثيق اللحظة،يحاول تحريك أوجاع الناس من خلال إضافة الملح عليها.بعضهم ينسى الموضوعية ويتعاطف والبعض الآخر يحاول استغلال هذا الرعب ولحظات الانتظار الطويلة لإخراج المشاعر السيئة لدى النازحين.لكن هناك مفردات لا يتسع لها هامش سمعناها تكررت على ألسنتهم: البيوت بتتعوّض، الأملاك ليست أغلى من دماء الشباب، راجعين،منعمرها أجمل مما كانت، الكرامة لها أثمان، أرواحنا وما نملك فداء للمقاومة.
البعض الآخر استخدم مفردات مثل:”محرزة كرمال ست صواريخ تدمروا لبنان”، أو “مش مضطرين دايما ندفع ثمن حروب الآخرين على أرضنا”،”شبعنا حروب وتهجير”،”المال يعادل الروح وخسرنا جنى العمر مين بعوّض علينا”…
التالي: يوميات النزوح

———————————-

*رئيسة القسم الثقافي في “الدنيا نيوز”