من أيزنهاور إلى ترامب… كيف تغيّر مفهوم التحالف في العقل الأميركي…؟

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم: العميد منذر الأيوبي*

ليست التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية الأميركية اليوم، والتي تطال أحد أكثر المسلمات رسوخًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مجرد انعكاس لشخصية الرئيس دونالد ترامب فقط، أو لأسلوبه الصدامي في إدارة العلاقات الدولية، بل هي تعبير عن مسار متجدد داخل الفكر الاستراتيجي الأعمق. إذ أن واشنطن تعيد النظر في دورها بوصفها الضامن الأول لأمن حلفائها وشركائها حول العالم..

في الواقع، لم تكن هذه المراجعة غائبة عن أذهان صناع القرار الاستراتيجي حتى في ذروة القوة الأميركية. فقد أدرك الرئيس دوايت أيزنهاور مبكرًا أن التحالفات القائمة على معادلة غير متوازنة بين من يدفع الكلفة ومن يجني المنافع، لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. كما أدرك أن الإفراط في الاعتماد على القوة الأميركية قد يحوّل الحلفاء تدريجيًا من شركاء إلى مُتلقين للحماية.

تاريخيآ؛ شكلت أزمة السويس عام 1956 واحدة من أبرز المحطات الكاشفة لهذا التفكير. فعندما قررت بريطانيا وفرنسا، بالتنسيق مع إسرائيل، شن عملية عسكرية ضد الجمهورية العربية المصرية عقب تأميم القناة، رفضت إدارة أيزنهاور الانخراط في المغامرة أو توفير الغطاء السياسي لها، رغم العلاقات الوثيقة التي ربطت واشنطن بحلفائها الأوروبيين. يومها بعثت الولايات المتحدة رسالة واضحة مفادها أن التحالف لا يعني شيكًا على بياض، وأن المصالح الأميركية هي التي تحدد حدود الدعم ومجالاته.

في السياق نفسه، ومع انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، بدا وكأن الولايات المتحدة أصبحت القوة التي لا منافس لها. غير أن هذا التفوق أخفى إشكالية متنامية تمثلت في اتساع الفجوة بين الالتزامات الأميركية المنتشرة حول العالم وبين استعداد الحلفاء لا قدرتهم، على تحمل حصتهم من الأعباء الدفاعية.
ومنذ تسعينيات القرن الماضي، لم تتوقف الإدارات الأميركية المتعاقبة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، عن مطالبة أعضاء حلف شمال الأطلسي NATO زيادة إنفاقهم العسكري وتعزيز مساهمتهم في الدفاع الجماعي.

صحيح أن ترامب رفع سقف هذا الخطاب إلى مستويات غير مسبوقة، إلا أن جوهر هذا المفهوم لم يكن جديدًا. الجديد هو أن الرئيس الأميركي الحالي نقل النقاش من الغرف المغلقة إلى العلن، وحوّل مسألة تقاسم الأعباء من مطلب دبلوماسي إلى شرط سياسي واستراتيجي. فمن وجهة نظره، لا يمكن ومن غير المنطقي أن تستمر الولايات المتحدة في حماية دول حليفة تمتلك اصلآ من القدرات الاقتصادية والموارد ما يسمح لها بتحمل مسؤوليات أكبر تجاه أمنها الوطني والإقليمي.

هنا تحديدًا يظهر التحول الأهم في نتاج الفكر الأميركي. فبعد عقود من الحديث عن “قيادة العالم الحر”، بدأت واشنطن تتجه تدريجيًا نحو مقاربة مختلفة تقوم على “إدارة التوازنات الدولية”. والفارق بين المفهومين ليس لغويًا فحسب، بل يعكس تبدلًا عميقًا في فهم الدور الأميركي نفسه.
في النموذج الأول كانت الولايات المتحدة تقود وتدافع وتبادر، أما في النموذج الثاني فهي تسعى إلى توزيع المسؤوليات وتوظيف قدرات الحلفاء ضمن منظومة أوسع تخدم مصالحها الاستراتيجية.

ثم ان هذا التحول لا يعني انسحابآ من الساحة الدولية أو تخليها عن تحالفاتها التاريخية، كما يروّج بعض المراقبين. بل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن عالم القرن الحادي والعشرين لم يعد يسمح لدولة واحدة، مهما بلغت قوتها، تحمل أعباء الأمن العالمي منفردة.
فالتحديات الممتدة من شرق آسيا إلى أوروبا والشرق الأوسط تتجاوز قدرة أي قوة على إدارتها وحدها، الأمر الذي يفرض إعادة صياغة مفهوم الشراكة الأمنية على أسس أكثر توازنًا.

عليه لم يَعُد السؤال الحقيقي: هل ستبقى واشنطن حاضرة…؟ بل: ما مقدار المسؤولية التي باتت تتوقع مِن او على الآخرين تحملها…؟

في المحصلة، يبدو أن الخيط الواصل بين أيزنهاور وترامب أطول مما يُعَتقد. فالأول حذر مبكرًا من اختلال معادلة الأعباء داخل التحالفات، والثاني يحاول إعادة تصحيحها وفق شروط عصر مختلف. وبين الرجلين تغيرت خرائط النفوذ وتبدلت موازين القوى، لتبقى الفكرة الجوهرية ثابتة “التحالفات التي لا تقوم على تقاسم المسؤوليات تتحول مع الوقت عبئآ على الدولة القائدة بدل أن تكون مصدر قوة لها”.

وعليه ايضآ، يكون العنوان الحقيقي للمرحلة الراهنة والمستقبلية ليس تراجع النفوذ الأميركي، بل نهاية الحقبة التي اعتقد فيها كثير من الحلفاء أن المظلة الأميركية ستبقى مجانية ومضمونة إلى الأبد.

———————————————-
*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنيّة والاستراتيجية