سلسلة المدن شخصيات من ورق وحجر(٢) بيروت في الأدب: عروس المتوسط وولاّدة للمعاني
خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم دانيا يوسف*
مدينة ألهمت العشرات من الأدباء، في حياتها وانتعاشتها وحتى في خرابها ودمارها، مئات القصائد كتبت بإسم بيروت، ومئات الروايات كتبت لبيروت، كل شاعر وروائي كتب عنها كما رآها، فرأوا فيها مدينةً للحب والعشق أو للحرب والدمار والحزن أو مدينة للتنوع والتناقض أو مدينة للذاكرة والتأمل… تعددت الرؤى… لكن المدينة واحدة.
بيروت في الأدب العربي:
رأى جبران المدينةَ كرمزٍ للخلودِ رغم ضياعِ بريقِها تحت وطأةِ السياسةِ. ففي إحدى رسائله إلى مي زيادة كتب:
“بيروت كطائر الفينيق: تموت كلّ ليلة وتولد مع الفجر.. لكنّ جراحها اليوم أعمق من قدرة الشمس على مداواتها”.
وفي كتابه “سبعون” التي تضم مذكراته، كانت بيروت حاضرة لدى الاديب اللبناني ميخائيل نعيمة.
“بيروت لم تكن مدينة فقط، بل كانت نافذتي إلى الدنيا، بابي إلى الكتب، وصوتي الذي لم أكن أملكه من قبل.
من بيروت بدأت الكتابة، وبدأت نفسي تنضج مع كل شارع ومكتبة ومقهى فيها.”
ومن رواية “الهويات القاتلة” لأمين معلوف نقرأ:
“بيروت علّمتني أن الحب ليس بريئا دائما، وأن المدينة يمكن أن تضحك لك وهي تبكي في داخلها.
فيها تعرفت على التناقض الذي يسكن في قلوب البشر كما يسكن في الحارات.”
أما الروائي الفلسطيني غسان كنفاني فقد وصفها في رواية “عائد إلى حيفا” كملاذٍ للاجئين الفلسطينيين، لكنّها تحوّلت إلى سجن جديد.
“كانت بيروت تشبه امرأة ثكلى تبتسم بوجه مبلل بالدموع… كلّ حجر فيها يحمل قصّة لاجئ”.
وصوّرت الأديبة السورية غادة السمان بيروت في أعمالها كمدينة نابضة بالحياة، ولكنها تحمل في طياتها بذور الصراع والتناقضات.
“كانت بيروت ترتدي ثوبها الساهر، أضواؤها تتراقص على وجه البحر، كأنها نجوم سقطت من السماء. في شوارعها، تختلط رائحة الياسمين والعطر الفرنسي بدخان السجائر ودخان القهوة. كانت المدينة تعد بالبهجة والوعد، لكن تحت هذا البريق، كانت هناك أصوات خافتة، همسات توتر، وكأن المدينة تتأهب لعاصفة وشيكة، لا أحد يراها ولكن الكل يشعر بها.”
بيروت في الأدب العالمي:
غالبًا ما تُصور بيروت في الروايات الأجنبية كمدينة عالمية، ساحرة، ولكنها أيضا مسرحا للصراعات السياسية والاجتماعية، ورمزا للصمود.
الكاتب الفرنسي جيرار دي نرفال (Gérard de Nerval) تحدّث عن المدينة ضمن كتابة “رحلة في الشرق”
“بيروت، كأنها زهرة معلقة بين السماء والبحر.
دخلتها عند الغروب، فكانت الأضواء تتناثر على مياه المتوسط كأن المدينة تضيء نفسها من الداخل.”
بدوره جورج تومسون (George Thomson) الرحّالة البريطاني خصّ بيروت بالكلام في سياق حديثه عن رحلاته.
“بيروت تبدو عند الفجر كحلم ناعم، خيوط الشمس تلامسها كما تلامس اليد وجه طفل نائم.
كل ما فيها يدل على مدينة تقرأ البحر وتكتب نفسها كل يوم من جديد.”
بيروت في الشعر:
لبيروت حضور قوي وتردد كبير لدى الشعراء العرب، فقد أمست أيقونة للشعر العربي، ملهمة للشعراء، ورمزاً له أبعاده الأسطورية والتاريخية والسياسية والثقافية.
كان أمير الشعراء أحمد شوقي واحدًا من أبرز الشعراء الذين تغنّوا بعشقهم للبنان ومحبتهم لبيروت، فيقول شوقي في قصيدة بعنوان: “لبنان” نشرها في جريدتي “المقطم” و”الأهرام”، صيف عام 1925، عن بيروت:
“لبنـان والخــلد اخـتــراع الله لم .. يُـوسَــمْ بأَزْيَنَ مِنهُـما مَلــكوتُـهُ
هو ذروة في الحسن غير مرومة .. وَذَرا البــراعةِ وَالْحجَى بـَيـروتُـهُ
مـلِكُ الهـضـاب ســلطان الــرُّبَى .. هـامُ السـحابِ عروشُــهُ وَتُخُـوتُهُ”
اختزلت القصائد روح المدينة عبر تنوّع مدهش: من حنين المهجريين إلى مراثي الحرب وصولاً لأمل النهضة. فبيروت المدينة الحالمة برزت في ديوان “الخمائل”
لإيليا أبو ماضي.
“بيروت يا ابنة الشّمس والبحر
ويا وليدة العزّ والفخر
لك المجد في أرجاء الشّرق
منارا للسّاري وملجأ الفقر.”
وكتب الشاعر خليل مطران قصيدة “بيروت” وفيها وصفا جميلا للمدينة.
“هي الجنّة الباقية الّتي
رفعتها الأنامل من حجارة
يحكم البحر في اقطارها
وتعانق الجبال سماءها الزرقاء”
قصائد عديدة تحدثت عن المدينة\الأنثى في مواجهة الحروب. وأبرز من وصفها الشاعر السوري نزار قباني في دواوينه الشعرية التي حمل بعضها اسمها كعنوان.
“بيروت يا انثى العالمين.. يا ست الدنبا
با مَنْ تحت القنابل الغادرات
تمشين كالعروس.. وتلبسين الدموع
حليّا.. والرموش المكتحلة”.
ولم تخل قصائد الشعراء من مراثي الخراب أو كلام الحرب كما في قصيدة أدونيس “هذا هو اسمي” التي كتبت أثناء حصار بيروت.
“بيروت.. يا مدينة الكلمات المنزفة دما
كلّ حرف فيك جرح
كلّ جرح فيك باب
وكلّ باب يجن لطائفة تبكي على أطلالها”
ونظم عدد من الشعراء قصائد تعبّر عن صمود المدينة كما فعل الشاعر الفلسطيني محمود درويش
“بيروت: دمية الملائكة الممسوحة
يعاد ترقيعها بالقطن والقماش
كم مرّة انكسرت؟
وكم مرّة قالت: لا
وعادت كالوردة المقطوفة تحت الأحذية”
ختاما، تبقى بيروت أكثر من مجرد مدينة. هي التي ترفض الاستسلام، تنهض من رمادها في كل مرة لتُبهر العالم بروحها المتجددة. بيروت ليست مجرد مكان تزوره، بل هي شعور تسكنه، وذكرى لا تُمحى. هي حيث يلتقي الشرق بسحره والغرب بحضارته على شاطئ المتوسط.
——————————————
رئيسة القسم الثقافي في “الدنيا نيوز”