لحظة شجاعة هي علاج ل”متلازمة الاستغباء” التي تنتجها السلطات…

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*

 

“متلازمة الاستغباء”

 

هي ليست مرضاً يصيب العقل. هي قرار سيادي تتخذه الذات حين يصير الفهم مكلفاً، والسؤال جريمة، والوعي خيانة.

*التشخيص الأول: الاستغباء ليس غباءً*
الغبي لا يعرف. أما المصاب بمتلازمة الاستغباء فيعرف، ويختار ألا يعرف. يرى السوط في يد الجلاد، فيسميه “عصا الراعي”. يرى يده في جيبه، فيسميها “يداً حانية تعالج اقتصاد الوطن”. هو ليس ضحية التضليل. هو شريك متطوع في جريمة تزوير الواقع.

الأعراض الثلاثة:

 

1. عمى البصيرة الانتقائي: 
يرى فساد الخصم بالمجهر، ويرى فساد سيده بالمنظار المقلوب. ألف دليل على جريمة “الآخر” لا تكفيه، ودليل واحد على جريمة “وليه” يسميه “مؤامرة”. هو لا يبحث عن الحقيقة. يبحث عن راحة البال، والحقيقة مزعجة.

2. فقدان ذاكرة طوعي:
ينسى وعود الأمس كأنها لم تُنطق. ينسى دماء الأمس كأنها لم تُسفك. ينسى أنه هو من صفق للجلاد حين كان السوط على ظهر غيره. الذاكرة عنده خزانة، يفتحها فقط ليخرج منها ما يدين به خصمه، لا ما يدين به صنمه.

3. لذة العبودية:
أخطر عرض. هنا يتحول الاستغباء من تكتيك إلى عقيدة. يستلذّ أن يكون “تابعاً”، لأن الحرية مسؤولية، والتابعية راحة. حارس المعبد يعطيه “اليقين” جاهزاً معلباً، فلماذا يتكبد عناء السؤال؟ “تاجر اليقين” يبيعه عدواً واضحاً، فلماذا يرهق نفسه في تعقيدات الواقع؟

كيف تُنتج السلطة هذه المتلازمة؟

السلطة لا تريدك غبياً. الغبي يخطئ ويُكتشف. السلطة تريدك “مستغبياً”. تريدك أن تعرف أنها تكذب، ومع ذلك تصفق. لماذا؟ لأن صفقتك لها وهي تكذب هو أعلى مراتب الخضوع. هو إعلان منك: “أنا أعرف أنك تحتال، وموافق”.
هذا ما سماه فوكو “السلطة الرعوية”. الحاكم لا يقول لك “أنا أذكى منك”. يقول لك “أنا أخاف عليك من ذكائك”. فيصادر سؤالك باسم حمايتك من نفسك.

العلاج؟

لا دواء في الصيدليات. العلاج لحظة شجاعة واحدة تقول فيها: “أنا أفهم”.
أن تعترف أنك كنت تعرف، وأن صمتك كان تواطؤاً، لا براءة.
أن تكسر المرآة التي أقنعوك أنها “وجه الوطن”، لترى وجهك الحقيقي فيها.

لأن المأساة ليست في أن يحكمك محتال.
المأساة أن تقنع نفسك أنك لم تكن تراه، كي لا تتحمل وزر أنك تركته.

إذا كان الاستغباء خياراً، فمن الذي جعل ثمن الوعي باهظاً إلى هذا الحد؟
وإذا كان الوعي مكلفاً… أليس الاستغباء هو الإفلاس بعينه؟