هل دخل لبنان مرحلة الانتقال الأمني…؟
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم: العميد منذر الأيوبي*
هل كانت زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر إلى بيروت مجرد محطة في روزنامة التعاون العسكري بين الولايات المتحدة والجيش اللبناني..؟ أم أنها تؤشر إلى الانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التنفيذ الميداني للترتيبات الأمنية الجديدة..؟ وهل دخل لبنان فعلًا مرحلة “الانتقال الأمني” (Security Transition Process)، حيث تنتقل مسؤولية الأمن كاملة إلى مؤسسات الدولة..؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل يجد الجيش اللبناني نفسه أمام أحد أصعب اختباراته الوطنية، بين تنفيذ قرارات الدولة والمحافظة على وحدته ودوره مرجعيةً وطنيةً جامعة في ظل الانقسام السياسي حول اتفاق الإطار الثلاثي..؟ ثم، هل تبدأ هذه المرحلة بانسحاب إسرائيل أولًا، أم باستكمال الترتيبات الأمنية أولًا..؟ هنا تكمن العقدة التي قد تحدد مصير المرحلة المقبلة.
في الأدبيات الاستراتيجية، تمر الدول الخارجة من النزاعات أو من تعدد مراكز القوة بمرحلة تُعرف بـ”الانتقال الأمني”، تستعيد فيها الدولة مسؤولية الأمن واحتكار استخدام القوة وفق الدستور والقانون. غير أن نجاح هذا الانتقال لا يتحقق بالوسائل العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى تسوية سياسية، وثقة متبادلة، وضمانات تكفل لجميع الأطراف أن الأمن الجديد لن يكون على حسابها أو على حساب خصوصياتها في التركيبتين السياسية والمجتمعية.
ومن يقرأ توقيت زيارة كوبر وسياقها يدرك أنها جاءت في لحظة تتداخل فيها السياسة بالأمن. فعندما تبدأ التفاهمات بالانتقال من الورق إلى الميدان، يتراجع الدور السياسي تدريجيًا لمصلحة القيادات العسكرية التي تتولى وضع آليات التنفيذ والمراقبة وقياس مستويات الالتزام. وفي العرف الاستراتيجي، فإن انتقال الملف إلى هذا المستوى لا يعني بالضرورة انتهاء التفاوض السياسي، لكنه غالبًا ما يؤشر إلى أن مرحلة التنفيذ أصبحت جزءًا أساسيًا من إدارة الأزمة.
من هذا المنطلق، تعكس الزيارة انتقالًا أميركيًا من رعاية التفاهمات إلى مواكبة تنفيذها ميدانيًا، بما ينسجم – وفق ما تعلنه واشنطن – مع هدف تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية ومنع العودة إلى دوامة المواجهات.
غير أن التحدي الحقيقي لا يبدأ عند الحدود، بل في الداخل اللبناني. فالاعتراضات التي برزت على الاتفاق من قوى سياسية وازنة لا تستهدف المؤسسة العسكرية بحد ذاتها، لكنها تضعها أمام معادلة دقيقة. فالجيش اللبناني مؤسسة دستورية تنفذ قرارات السلطة الشرعية، لكنه في آن المؤسسة الوطنية الجامعة ، تستمد قوتها من بقائها فوق الانقسامات السياسية والطائفية. من هنا، فإن نجاحه لا يُقاس فقط بقدرته على الانتشار، بل أيضًا في المحافظة على ثقة يحوزها من اللبنانيين جميعًا.
ثم إن المعضلة التي تواجه القيادة ليست عسكرية بقدر ما هي سياسية ووطنية. الجيش يستطيع تنفيذ ما تقرره الدولة، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلًا عن القرار السياسي، ولا أن يحسم الخلافات الوطنية حول طبيعة المرحلة المقبلة. فالمؤسسة العسكرية تحمي الدولة ومؤسساتها وسيادتها، لكنها لا تصنع التوافق بين مكوناتها.
وهنا تبرز العقدة الأساس التي لا تزال موضع تجاذب. فهناك من يرى أن الأولوية هي لاستعادة الدولة احتكار استخدام القوة، وأن نجاح الترتيبات الأمنية يشكل شرطًا لانسحاب إسرائيل بصورة كاملة وضمان استقرار الحدود. في المقابل، وعلى خلفية محطات الصراع وهمجية العدوان اضافةّ الى تصريحات قيادات العدو فأي انتقال أمني لا يمكن أن يكتسب شرعيته الوطنية ما لم يسبقه الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية.
إلا أن جوهر الإشكالية قد لا يكمن في أي الخيارين يسبق الآخر، بل في أزمة الثقة التي تحكم العلاقة بين مختلف المكونات. فكل طرف يريد ضمانات بأن الطرف المقابل سيلتزم بما تعهد به، وأن تنفيذ أي خطوة لن يتحول إلى مكسب لهذا وخسارة لذاك. ومن هنا، يصبح بناء الثقة المتبادلة جزءًا اساسيآ من نجاح أي انتقال أمني، تمامًا كما هو الانتشار العسكري نفسه.
ولعل التجارب الدولية تقدم دروسًا في هذا المجال. ففي إيرلندا الشمالية سبق الاتفاق السياسي تنفيذ الترتيبات الأمنية، وفي كولومبيا احتاج الانتقال إلى سنوات من الضمانات والإصلاحات، أما في البوسنة والهرسك فقد أظهرت التجربة أن إعادة تنظيم المؤسسات الأمنية لا تكفي إذا بقي الانقسام السياسي قائمًا.
غير أن خصوصية لبنان تختلف عن هذه النماذج، إذ لا يواجه مرحلة ما بعد حرب أهلية فحسب، بل يعيش أيضًا في ظل نزاع تاريخي مفتوح مع إسرائيل، ما يجعل أي انتقال أمني مرتبطًا بعاملين متلازمين: استكمال السيادة على الأرض، وتعزيز سلطة الدولة في الداخل.
عليه، قد لا تكون زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية الحدث بحد ذاته، بل ما ترمز إليه. فإذا كانت مرحلة التفاوض سلكت مسارها او قد شارفت على نهايتها، فإن مرحلة التنفيذ ستكون الاختبار الحقيقي، ليس للجيش اللبناني فحسب، بل أيضًا للدور الأميركي (المتواضع) بوصفه الراعي الأساسي وليس الضامن الفعلي لهذه الترتيبات، وفي قدرته مواكبة تنفيذ الالتزامات المتبادلة، كما ستكون اختبارًا جديآ لمدى استعداد والتزام العدو الإسرائيلي الوفاء بتعهداته المتعلقة بالانسحاب التدريجي، وثالثآ لقدرة الدولة اللبنانية بمؤسساتها كافة على إدارة توازن بالغ الحساسية بين متطلبات الأمن ومقتضيات السيادة.
في المحصلة، لا يُقاس نجاح المرحلة المقبلة بعدد نقاط الانتشار، أو اتساع المناطق التجريبية، أو حجم المساعدات العسكرية، بل بقدرة اللبنانيين إنتاج رؤية وطنية مشتركة هي أكثر من ضرورة، تجعل الأمن جزءًا من مشروع الدولة، لا مادةً جديدة للانقسام..
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام: هل ينجح لبنان في تحويل الانتقال الأمني، أم يبقى أسير جدل الأولويات بين الانسحاب أولًا واستكمال الترتيبات الأمنية بدايةً.؟ ولعل المشكلة ليست في أيهما يسبق الآخر، بل في كيفية بناء مسار متزامن يمنح جميع الأطراف ما يكفي من ضمانات مانعة عودة الصراع، ويمنح الدولة، للمرة الأولى منذ عقود، فرصة حقيقية لترسيخ سيادتها بقوة وحدتها الوطنية ومؤسساتها الأمنية.
خِتامَآ وليس تكرارآ، يمكن الجزم ان “الانتقال الأمني” ليس انتقالآ للبندقية من يد إلى أخرى، بل انتقالٌ للشرعية نفسها من منطق موازين القوى إلى منطق الدولة. فإذا نجح هذا الأمر استعاد لبنان إحدى أهم ركائز سيادته، أما إذا تعثر، فقد يبقى يدور في الحلقة ذاتها وإن تبدلت العناوين، إذ البيانات تعلن النوايا، أما الوقائع فهي التي تصنع التاريخ.
——————-
عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية.