من سلسلة إرادة لا تنكسر (2) طه حسين – عميد الأدب العربي ونور البصيرة

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم : دانيا يوسف*

فقد بصره في ريعان طفولته، لكنه أصبح نوراً يضيء عقول أجيال بأكملها… اليوم، نروي لكم حكاية عميد الأدب العربي، قصة رجل لم تمنعه عتمة البصر من أن يرى أبعد من المبصرين، وأن يبصر بقلبه وعقله ما لم تبصره العيون. إنه الدكتور طه حسين، الذي تحدى الظروف، وكسر قيود الإعاقة، ليصبح قامة أدبية وفكرية لا تضاهى في تاريخنا العربي. دعونا نستمع معاً إلى حكاية طه حسين، الرجل الذي أثرى المكتبة العربية بكنوز من الأدب والفكر، وأثبت أن البصيرة الحقيقية لا تحتاج إلى عينين.
وُلد طه حسين علي سلامة في الرابع عشر من تشرين الثاني\نوفمبر عام 1889، في قرية الكيلو بمحافظة المنيا بصعيد مصر. نشأ في عائلة بسيطة، وكان ترتيبه السابع بين ثلاثة عشر طفلاً. في سن مبكرة جداً، وتحديداً في الرابعة من عمره، أصيب طه حسين بعدوى في عينيه، وبسبب سوء الرعاية الطبية، فقد بصره تماماً. تخيلوا طفلاً صغيراً يحرم من نعمة البصر في هذه السن المبكرة، كيف يمكنه أن يواجه عالماً مليئاً بالتحديات؟ لكن طه حسين لم يستسلم لليأس. بدأ رحلته التعليمية في الكتّاب، حيث أتم حفظ القرآن الكريم وهو في التاسعة من عمره. كانت هذه هي الشرارة الأولى التي أضاءت دربه نحو العلم والمعرفة. في عام 1902، التحق بالأزهر الشريف في القاهرة، حيث درس النحو والفقه والبلاغة، وتأثر كثيراً بدروس الشيخ محمد عبده. في عام 1908، افتتحت الجامعة المصرية أي جامعة القاهرة حالياً، وكان طه حسين من أوائل الملتحقين بها. حصل على درجة الدكتوراه عام 1914 عن أطروحته حول الشاعر والفيلسوف أبي العلاء المعري، ليصبح أول طالب يحصل على الدكتوراه من هذه الجامعة. لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، فسافر إلى فرنسا ليكمل دراسته، وهناك حصل على درجتي دكتوراه أخريين من جامعة السوربون في باريس.
في فرنسا، التقى طه حسين بسوزان بريسو، التي أصبحت زوجته ورفيقة دربه، وأم أولاده. كانت سوزان عوناً وسنداً له، تقرأ له الكتب وتساعده في أبحاثه، لتصبح شريكاً حقيقياً في مسيرته العلمية والأدبية. هذا الدعم العائلي كان له أثر بالغ في مسيرة طه حسين، وأثبت أن الحب والتفاني يمكن أن يذللا أصعب العقبات. عاد طه حسين إلى مصر عام 1919، وعين أستاذاً للتاريخ في جامعة القاهرة، ثم أستاذاً للأدب العربي. أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات الأدبية والفكرية، منها “الأيام”، “حديث الأربعاء”، و”في الشعر الجاهلي” الذي أثار جدلاً واسعاً، لكنه كان نقطة تحول في مسيرة النقد الأدبي العربي. لم يكتف طه حسين بالجانب الأكاديمي، بل شغل مناصب قيادية هامة، حيث عُين وزيراً للتربية والتعليم عام 1950، ورفع شعاره الشهير “التعليم كالماء والهواء”، مؤمناً بحق الجميع في التعليم المجاني.
طه حسين بالنسبة للمواطنين العاديين هو الرجل الذي دعا إلى مجانية التعليم وهو الرجل الذي ربط بين مستقبل الثقافة ومستقبل التعليم ومستقبل مصر، حيث يؤكد أن الحرية لا تستقيم مع الجهل، رابطًا بين الثقافة وبين الحرية، وواصلا بين التعليم وبين الثورة على الظلم، فالتعليم وحده هو الوسيلة التي بها يعرف الشعب مواضع الظلم، وبها يحاسب ظالميه.
وهو الرجل الذي ضرب المثل المُعجز في قوة الإرادة وصلابة النفس، حتى أنه حوّل عاهته إلى حافز، وحوّل عمى البصر إلى نصاعة البصيرة، متحديا في ذلك عوامل ظلام عديدة، ليصبح بعد كسب التحدي “منوّر” القرن العشرين.
هذه البصيرة الكاشفة هي التي حيَاها نزار قبَاني في رحيل العميد بقوله:
كلهم لا يرى، وأنت تراني
ضوء عينيك، أم حوار المرايا
أم هما طائران يحترقان
إرم نظارتيك… ما أنت أعمى
إنما نحن جوقة العميان.

‏————————————-

* رئيسة القسم الثقافي في موقع “الدنيا نيوز”.