الميدان يملي شروطه والرصاص حبر الاتفاقات…
خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم: العميد منذر الأيوبي*
في جغرافيا الشرق الأوسط، لا تسقط القذائف بالصدفة، ولا تولد الضربات العسكرية من فراغ. هنا، كل صاروخ رسالة سياسية، وكل عملية ميدانية مسوّدة تفاهم تُكتب بالدم لتُفرض على طاولات التفاوض.
الميدان والسياسة وجهان لعملة واحدة، والغلبة لمن يملك الكلمة الأخيرة على الأرض. وهو ما يتقاطع مع المقولة الخالدة ل “كارل فون كلاوزفيتش”:
“الحرب ليست مجرد عمل سياسي، بل هي أداة سياسية حقيقية، واستمرار للعمل السياسي ولكن بوسائل أخرى.”
من هذا المنظور الاستراتيجي، تتبدى غارة “الخردلي” التي استهدفت سيارة الشهيد العميد وسام صبرا ومرافِقَيه.
إن فك شفرة هذا الحدث لا يكمن في طبيعة الهدف الرفيع فحسب، بل في “توقيته” الحرِج. إذ جاءت الضربة وسط حراك دبلوماسي محموم، تتقاطع فيه الخطوط الأمنية والسياسية عبر عواصم المنطقة؛ لتطرح السؤال الجوهري: هل كنا أمام عملية عسكرية، أم رسالة تفاوضية مشفرة تحت النار..؟
التاريخ يعلمنا أن تل أبيب لا ترى في الدبلوماسية بديلاً عن الآلة العسكرية، بل امتداداً لها بأدوات أخرى.
في العقيدة الأمنية الاسرائيلية ، يُعد التصعيد المحسوب أداة لتعديل “مناخ التفاوض” وانتزاع التنازلات.
عليه فإن تلازم المسار السياسي مع لغة النار ليس مفارقة، بل استراتيجية ممنهجة لتعزيز أوراق الضغط وإعادة رسم حدود الردع، تماماً كما كان يرى ثعلب الدبلوماسية هنري كيسنجر:
“البلد الذي يطالب بالسلام في المفاوضات دون أن يملك خيار القوة، يضع نفسه تحت رحمة الطرف الآخر؛ فالقوة والدبلوماسية لا ينفصلان.”
هذا الواقع يتبدد معه الوهم بأن انعقاد طاولة الحوار يعني بالضرورة اقتراب السلام؛ اللحظات التي تسبق التوقيع غالباً ما تكون الأكثر ضراوة، حيث يحاول كل طرف تثبيت وقائعه الأخيرة على الأرض قبل أن يجف الحبر.
لبنان في هذا المشهد مرآة لزلزال إقليمي أوسع تتشابك فيه ملفات أمن الممرات البحرية، توازنات النفوذ، وطبيعة الكباش المستمر بين واشنطن وطهران. ومع ذلك، حتى لو نجحت الجهود الدبلوماسية في صياغة مخارج، فإن الشياطين تكمن دائماً في التفاصيل، وتحديداً في أربع معضلات بنيوية:
أولاً: معضلة الانسحاب: لقد تغيرت البيئة الاستراتيجية الحاكمة للقرار الإسرائيلي. لم يعد المطلوب تفاهمات واضحة المعالم، بل تأمين “حرية حركة أمنية وعسكرية” مطلقة، مما يفرغ مفهوم الانسحاب الكامل من معناه.
ثانياً: هُوية الوسيط: تبرز واشنطن كعرّاب لأي ترتيبات، لكنها تظل شريكاً استراتيجياً وتاريخياً للجانب الإسرائيلي، وهو ما يجعل البحث عن “الضمانات المتوازنة” رهاناً محفوفاً بالشكوك.
ثالثاً: واقعية القوة: في السياسة الدولية، لا مكان للنوايا الحسنة. النتائج النهائية على الورق ليست سوى انعكاس دقيق لموازين القوى في الميدان.
رؤية رابعة: فخ “الغموض البنّاء”: وهي اللعبة الدبلوماسية التي تسمح للجميع بادعاء النصر سياسياً، وتأجيل الخلافات الحقيقية إلى مرحلة التطبيق التقني، لتنفجر الشروط على الأرض لاحقاً.
إن قراءة غارة “الخردلي” خارج هذا السياق المركّب هي قراءة قاصرة. الحدث تذكير صارخ بأن لغة القوة هي الحاكم الفعلي للصراعات المفتوحة، وأن الميدان ما زال يملك حق “الفيتو” على سقوف التفاوض.
في المحصلة، قد تكشف الأسابيع المقبلة عن الملامح النهائية للمشهد، لكن الحقيقة الثابتة أن التسويات لا تحميها الوعود ولا تصنعها الرهانات على الخارج. قد يمكن استحضار ما مقولة الجنرال ديغول يوم اختصر منطق السيادة بقوله:
“لا يمكن لدولة أن تحافظ على كينونتها وثقلها إذا اعتمدت على حماية الآخرين؛ فالسيادة تُنتزع ولا تُمنح كهدية.”
الاستقرار الحقيقي ليس اتفاقاً يُوقع، بل سيادة تُنتزع؛ يبدأ عندما تمتلك الدولة القدرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع سيادي مستدام، تحميه مؤسسات وطنية جامعة وتصونه وحدة داخلية صلبة. عندها فقط، يتحول الاتفاق من مجرد هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس، إلى ركيزة لاستقرار دائم ومستحق.
——————————————————-
*عميد متقاعد، باحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية.
