قراءة في دلالات زيارة واشنطن والتحولات الجيوسياسية في الإقليم..!
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم: العميد المتقاعد منذر الأيوبي*
دون مقدمات؛ معيار واحد يُطرَح ويحكُم الأهمية السياسية: ماذا سيكسب لبنان عملياً؟
في رمزية اللقاء بين الرئيسين ترامب وعون، تحقق ما أراده الأخير؛ فهو أول لقاء لرئيس لبناني في البيت الأبيض منذ سنوات طويلة، ذلك على منعطف دقيق حيث تتداخل الملفات بين محلي وإقليمي..
أ-اولآ- قراءة المضمون على ثلاثة مستويات:
المستوى الدبلوماسي: استطاعة جيدة في إعادة لبنان إلى طاولة القرار الدولي بعد عزلة نسبية، وإلى البيت الأبيض بعد غموض حد تناقض شاب كثير من مواقف الموفدين. فمجرد حصول اللقاء يبدد هواجسآ ويقارب حلولآ..
ب- المستوى الأمني: واضح أن واشنطن تربط دعمها السياسي، العسكري والاقتصادي بتقدم ملموس في ملفات ثلاث: تعزيز انتشار الجيش اللبناني، حصر السلاح بيد الدولة، وتثبيت ترتيبات أمنية طويلة الأمد تترافق مع انسحاب إسرائيلي وفق آلية متدرجة يُتَّفق عليها.
ج- المستوى الداخلي: خروج اللقاء بنتيجة إيجابية يبقى مرهونآ بقدرة الدولة على بناء توافق داخلي يضمن تنفيذ المتوجب، وهو أمر صعب معقد يتوجب السعي إليه في ظل الانقسام القائم.
أما بالنسبة للرئيس ترامب فاقتناعه أن استقرار لبنان يخدم مصالح واشنطن وتل أبيب والمنطقة، قد يدفع نحو تفاهمات عملية، في المقابل سيطالب بالتزامات واضحة وقابلة للقياس وفق منطق الصفقات.
ثانياً- ما الذي سيكون تحت المجهر بعد الزيارة؟
اربعة مؤشرات ينبغي مراقبتها بدءآ من انخفاض احتمالات العودة إلى الحرب، انسحاب إسرائيلي فعلي من المناطق المحتلة. زيادة الدعم الأميركي للجيش اللبناني. إطلاق ورشة إعادة إعمار حقيقية. تحقُّق جزء مُعتبر مما تقدم يمنح الزيارة نجاحها الحقيقي، أما بقاؤها وعوداً دون تنفيذ، فستظل ذات قيمة بروتوكولية لا استراتيجية.
عليه السؤال الأهم ليس: “هل نجحت الزيارة؟” بل: “هل انتقل لبنان من مرحلة إدارة الأزمة إلى إعادة صياغة دوره الأمني والسيادي ضمن نظام إقليمي جديد؟” هنا تُحدَّد القيمة التاريخية للزيارة.
ثالثاً- المثلث الدبلوماسي: الرياض، أنقرة، واشنطن..
هذا الحراك الدبلوماسي الدولتي من زيارات سوريا إلى لقاء سلام – أردوغان يترجم تقاطعات إقليمية بارزة تفترض التمييز بين واقعٍ وتحليل:
1. المملكة العربية السعودية: محطة رئيسية تعكس رغبة واضحة في استعادة الغطاء العربي والدعم الاقتصادي والسياسي، تُرجم ذلك مؤخراً في رفع الحظر عن الواردات اللبنانية كإشارة ثقة بالحكومة الجديدة.
2. تركيا: مسار الانفتاح يأتي في سياق توسيع شبكة العلاقات الإقليمية؛ بعد ان فرضت تطويبها لاعباً مؤثراً في شرق المتوسط وسوريا على قمة حلف شمال الأطلسي، وأي مقاربة لبنانية للاستقرار تفرض عدم تجاهل موقعها.
3. واشنطن: في الشرق الأوسط عمقها الاستراتيجي وهي الطرف الخارجي الأشد تأثيراً في الملف اللبناني؛، وكذلك فرض رؤيتها ومصالحها على الكيان. وتشير المعطيات أن الرئيس عون عرض تصوراً متكاملاً يتناول الانسحاب الإسرائيلي ومستقبل السلاح.
رابعآ- البُعد الاستراتيجي للموقف الأميركي من الملف السوري:
لم يكن تطرق الرئيس ترامب إلى مسألة التدخل السوري في لبنان ملاحظة عابرة، بل يعكس إدراكاً استراتيجياً أن جغرافيا الأزمة اللبنانية تتداخل حكماً مع العمق السوري. واستعادة لبنان سيادته مع حصر القرار الأمني بيد مؤسساته الشرعية يتعذر تحقيقهما بمعزل عن احكام السيطرة على الحدود الشمالية والشرقية، بالتالي إغلاق مسارات التهريب وخطوط الإمداد اللوجستي.
كما تأتي إشارة ترامب لتضع المعادلة في إطار حزمة تسوية إقليمية أشمل، ترتكز على محورين:
الأول: تأكيد مبدأ السيادة اللبنانية برفض أي نفوذ إقليمي موازٍ أو معطل لمؤسسات الدولة.
الثاني: تحويل ملف الحدود مع سوريا من نقطة نزيف أمني إلى عنصر ضبط وإلزام، ضمن الترتيبات الأمنية الاقليمية الجديدة.
استنادآ، يصبح التعاطي الأميركي مع الدور السوري شرطاً حاكماً لضمان استدامة أي اتفاق إطار، ومقياساً لمدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها الكاملة، لا على الجبهة الجنوبية فحسب.
خامسآ- واقع “حزب الله” والخيارات المطروحة:
تتجه معظم المسارات الدبلوماسية نحو نقطة مفصلية: حصر القرار الأمني والعسكري بالدولة، عليه يمكن قراءة موقف الحزب في التالي: فرضت المواجهات الأخيرة وإغلاق خطوط الإمداد واقعاً يستوجب إعادة تقييم الأولويات، رغم أن استمرار الاحتلال والاعتداءات يجعل الدفاع والمقاومة ضرورة أساسية. توازيآ يطرح الرئيس عون مقاربة “الدمج”؛ فحصر السلاح هدف دستوري يُنجز بالحوار لا بالاقتتال الداخلي..
عليه يقف الحزب امام ثلاثة مسارات:
1. الاندماج التدريجي في معادلة الدولة عبر حوار يحقق ترتيبات سياسية وأمنية.
2. التخلي عن معاندة قد تُكسِب وقتآ، لكنها لا تنتج حلآ، ولو على خلفية انتظار لتغير الموازين الإقليمية.
3. التصعيد السياسي او التمسك بالسلاح .(وهو الخيار الأكثر كلفة واستبعاداً حالياً).
وعليه، فإن الجوهر التفاوضي اليوم لا يدور حول “النزع الفوري السريع”، بل حول: “ما هي الصيغة والضمانات التي تنقل وظيفة هذا السلاح إلى الدولة اللبنانية بالتوازي مع انسحاب شامل ومُجَدْوَل لجيش العدو؟”
سادسآ- براغماتية ترامب واحتمالات التفاوض:
تصريح ترامب حول استعداده للتواصل مع حزب الله إن طلب منه عون، يعكس أسلوبه البراغماتي؛ ليس اعترافاً سياسياً بقدر ما هو استخدام للحوار أداة تسوية، ورسالة ثقة للرئيس عون كوسيط شرعي، مع فتح نافذة للحزب إذا اختار المسار السياسي تحت مظلة الدولة.
ثم ان التفاوض مع حزب الله المُدرَج اميركيآ منظمة ارهابية (يشابه ما جرى سابقاً مع طالبان أو عبر الوسطاء في ملف ترسيم الحدود) أمر وارد لتمرير تفاهمات الضرورة سواء بالمباشر ، او عبر وسطاء دون استبعاد القنوات الأمنية.
سابعآ- المعادلة الإقليمية وشروط النجاح:
إنجاح أي اتفاق إطار لا يتوقف على اللبنانيين وحدهم، بل يتأثر بحسابات تل أبيب وطهران، الاولى تريد أكثر من ضمانات أمنية وآليات رقابة مانعة ترميم الحزب لقدراته، وساعية إلى عرقلة إذا شعرت أن الاتفاق لا يقود، في نهاية المطاف، إلى واقع أمني جديد يحدّ بصورة دائمة من مصادر التهديد على حدودها الشمالية.
فيما تعتبر ايران حزب الله أحد أهم عناصر نفوذها الاستراتيجي، وستتحفظ على أي صيغة تنهي دوره أو تُفقده أوراق قوته، لكنها قد تتعاطى بمرونة مع تفاهمات تحفظ حضوره السياسي وتجنّبها مواجهة إقليمية مكلفة، إن انسجمت مع حساباتها الأوسع في ملفات المنطقة.
في ضوء ذلك، فإن فرص نجاح “اتفاق الإطار” وآلياته الميدانية، رهن توازن دقيق بين المتطلبات الأمنية الإسرائيلية، والهواجس الاستراتيجية الإيرانية، ومصلحة الدولة اللبنانية استعادة سيادتها الكاملة. كما ان احتمالات تعطيله تبقى قائمة إن فُهم أنه انتصار نهائي لطرف وهزيمة استراتيجية لآخر.
الخلاصة؛ إن نجاح هذا الحراك الدبلوماسي الدولتي لا يُقاس بعدد اللقاءات او بالصور التذكارية، بل بمدى ترجمته مكاسب عملية للبنان. والامتحان الحقيقي يبقى أحادي الوجهة: التزام العدو بالانسحاب الكامل من الأراضي الجنوبية وفق ضمانات تنفيذية صريحة. أما الجيش اللبناني، فهو مبدئيآ ودستورياً فوق أي اختبار أو تقييم من أي جهة خارجية.
———————————————-
*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنيّة والاستراتيجية