أنقرة تفتح باب التوازنات الجديدة بين دمشق وحارة حريك …
خاص – “أخبار الدنيا”

بقلم: العميد منذر الأيوبي*
هل تتجه سوريا اليوم إلى إدارة إرث الصراع لا استعادته.؟ وهل يسعى حزب الله إلى خفض عدد الجبهات المفتوحة في ظل الضغوط المتزايدة التي يواجهها.؟ وأين تقف تركيا من هذا المشهد المتحرك.؟ وهل باتت مجرد وسيط محتمل أم لاعباً تتشكل حوله بعض توازنات الشرق الأوسط الجديدة.؟
ليست هذه الأسئلة منفصلة عن بعضها البعض، بل تعكس في جوهرها التحولات العميقة التي يشهدها الإقليم، حيث تتقدم البراغماتية تدريجياً على منطق المواجهة، وتفرض الوقائع المستجدة على مختلف الأطراف إعادة قراءة للتحالفات والعلاقات والخصومات بمنظار يختلف عما حكم العقد الماضي.
فبعد سنوات من القطيعة والتوتر التي فرضتها تداعيات الحرب السورية، تبرز اليوم مقاربة أكثر واقعية ترتكز على البحث عن مساحات تقاطع تمليها ضرورات الاستقرار أكثر مما تفرضها الاعتبارات الأيديولوجية أو حسابات الماضي.
ثم إن سوريا الخارجة من سنوات الحرب الطويلة تبدو منشغلة بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتثبيت الاستقرار الداخلي واستعادة موقعها الإقليمي والدولي. وهي تدرك أن الانخراط في صراعات جديدة لن يخدم أولوياتها الوطنية، كما أن العودة إلى منطق المحاور الحادة قد تعرقل مسار الانفتاح الذي تسعى إليه.
في هذا السياق، يصعب تجاهل المؤشرات المتزايدة عن وجود تفاهمات أميركية ـ إيرانية غير معلنة، أو على الأقل تفاهمات ضمنية، على هامش مذكرة التفاهم الموقعة في منتجع “بورغنشتوك” هدفها ضبط إيقاع التوتر ومنع الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة. فبرغم التصعيد المتكرر والخطاب المتشدد، أظهرت محطات عديدة أن الأطراف المعنية ما زالت حريصة على إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها، الأمر الذي انعكس بصورة أو بأخرى على مجمل الساحات المرتبطة بهذا الاشتباك المزمن.
في المقابل، تبدو العلاقة بين دمشق وحارة حريك اليوم أقل تطابقاً مما كانت عليه خلال سنوات الحرب السورية. وليس المقصود هنا الحديث عن قطيعة أو خصومة، بل عن تمايز متزايد في الأولويات. فسوريا تنظر إلى إعادة الإعمار والاستقرار والانفتاح الخارجي بوصفها عناوين المرحلة المقبلة، فيما يواجه حزب الله تحديات مختلفة تتصل بواقعه اللبناني وبالتحولات التي أصابت البيئة الإقليمية المحيطة به. ومن هنا يمكن فهم حالة التباعد الهادئ أو ما يشبه الشرخ البنيوي الصامت الذي تفرضه اختلافات الأولويات لا اختلافات المواقف المعلنة.
ومن هذا المنطلق، يبرز اهتمام مشترك بتثبيت الاستقرار على جانبي الحدود. فبين حاجة سوريا إلى بيئة آمنة تساعدها على إعادة بناء الدولة، وحاجة لبنان إلى تجنب المزيد من الانهيارات والاضطرابات، تبدو التهدئة خياراً تفرضه الوقائع أكثر مما تمليه الرغبات السياسية. كما أن المتغيرات التي أصابت شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة دفعت العديد من القوى إلى إعادة حساباتها بما ينسجم مع موازين القوى الجديدة.
وإذا كانت التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي أوحت بإمكان اضطلاع دمشق بدور في معالجة ملف حزب الله، قد أثارت قدراً من الجدل في الأوساط السياسية اللبنانية، فإن أهميتها لا تكمن في مضمونها المباشر فحسب، بل في ما تعكسه من اتجاهات تفكير داخل بعض الدوائر الغربية حيال مستقبل التوازنات الإقليمية. فهناك من قرأ فيها مؤشراً إلى دور سوري متجدد ضمن ترتيبات أوسع، فيما رأى آخرون أنها تعبير عن رغبة أميركية في معالجة بعض ملفات النفوذ الإيراني عبر أدوات سياسية وإقليمية بديلة عن المواجهة العسكرية المباشرة.
وربما تندرج هذه المقاربة ضمن تحول أوسع في إدارة الأزمات الإقليمية، حيث تتقدم سياسات الاحتواء وإدارة التوازنات على سياسات الصدام المفتوح. وبين تعدد التفسيرات وتضارب القراءات، يبقى الثابت أن دمشق تبدو معنية اليوم ببناء التفاهمات أكثر من الانخراط في نزاعات إضافية، وبترسيخ الاستقرار أكثر من استعادة معارك الماضي.
هنا تبرز تركيا كلاعب يستحق التوقف عنده. فأنقرة لم تعد مجرد طرف إقليمي مؤثر، بل تحولت إلى دولة تمتلك شبكة واسعة من العلاقات تتيح لها الحركة بين عواصم متباعدة المصالح والاتجاهات. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتحافظ في الوقت نفسه على قنوات تواصل مع موسكو، كما نسجت علاقات متشعبة مع عدد من الدول العربية والإقليمية. هذه القدرة على الجمع بين التنافس والتواصل تمنحها هامشاً سياسياً يجعلها مؤهلة للعب أدوار تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية.
واللافت أن النقاش حول الدور التركي لم يعد مقتصراً على العواصم العربية أو الإقليمية، بل بدأ يجد صداه داخل الأوساط الإسرائيلية نفسها. فبعض التقديرات السياسية والأمنية الإسرائيلية باتت تنظر إلى تركيا بوصفها قوة إقليمية صاعدة تراكم عناصر النفوذ والتأثير في شرق المتوسط وفي عدد من الملفات الحساسة. وإذا كانت هذه التقديرات لا تعبر بالضرورة عن موقف إسرائيلي موحد، فإنها تعكس إدراكاً متزايداً للتحولات التي طرأت على موقع أنقرة في المشهد الإقليمي.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت تركيا ستتولى وساطة مباشرة بين دمشق وحزب الله، بل ما إذا كانت المنطقة بأسرها تدخل مرحلة جديدة عنوانها إدارة التناقضات بدلاً من تفجيرها. فالحراك الدبلوماسي المتصاعد، والتفاهمات التي تُبنى بعيداً عن الأضواء، والبحث المتزايد عن صيغ للاستقرار، كلها مؤشرات توحي بأن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة تختلف عن تلك التي حكمته خلال السنوات الماضية.
كتب ونستون تشرشل يوماً: «الدول لا تملك أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين، بل مصالح دائمة». ولعل هذه العبارة تختصر جانباً مهماً من التحولات الجارية اليوم، حيث تتراجع الاصطفافات الجامدة أمام حسابات المصالح، وتتقدم البراغماتية على الشعارات، فيما تعيد دول المنطقة رسم مواقعها على رقعة تتغير ملامحها بوتيرة متسارعة.
ويبقى السؤال: هل نحن أمام تسويات مؤقتة فرضتها موازين القوى الراهنة، أم أمام بداية مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقات الإقليمية على أسس أكثر واقعية وأقل صدامية.؟ وحدها التطورات المقبلة كفيلة بالإجابة.
————————————————-
*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية.