مناعة القطيع ..

بقلم ألعَميد منذر ألأيوبي*
لم يتعدَ مدة ألثلاثة أشهر إذ تمكن من إجتياح معظم ألدول و ألأمم متسببآ بإصابات تجاوزت الخمسة ملايين إنسان حتى ألآن كما تجاوز عدد ضحاياه المليون أو يكاد ..! إنهارت إقتصاديات و أسواق مال و تقلصت ثروات و قيم أسهم ؛ أسقط حدودآ جغرافية لطالما كانت من أكثر أسباب النزاعات حماوةً كما دمر تحالفات جيو إستراتيجية و أحلافآ عسكرية أو مظلات حماية إتخذت أطر معاهدات أمنية ، إستطرادآ تسبب بتعديل إستراتيجيات فولاذية ثابتة دأب عليها أركان و جنرالات دول عظمى مع تعديلات طارئة في عقيدة القتال و قواعد الاشتباك لطالما كانت أهدافها السيطرة و تثبيت كيانية تأثيراتها الدولية و الاقليمية مستخدمة التفوق التكنولوجي و الاسلحة الهجومية ألمتطورة ولوجآ إلى تقنيات النووي و الكيميائي البيولوجي وصولآ إلى إنشاء و إستحداث القوى ألجو-فضائية ، إذ لم تعد سماء هذه الكرة الزرقاء تتسع لأجنحتهم الضاربة فأنتقلوا لتأسيس محطات صاروخية و ليزرية في الفضاء الكوني إنفلات متمادٍ لأداء عقولٍ تفوقت خططها الشيطانية تراقب مسار الكوكب و محور دورانه تستكشف أعماقه لمزيد من الثروات و تسبر مجراته ألمحيطة بحثآ عن غرباء دون أن ترتوي أو يحد من طموحها شيء ..
في سياق متصل ، أتى الوباء عامل إثبات بعد كل ما تقدم ليكشف هشاشة الانظمة الصحية و ضعف قدراتها مخبريآ و علاجيآ ، ندرة في التجهيزات و ضآلة في عدد ألمستشفيات و مراكز ألحجر و ألتأهيل إذ وضع دولآ
و مجتمعات تعاني فقرآ و بؤسآ و مجاعةً و حرمانآ من أبسط متطلبات الحياة مع إنعدام قدراتها على مكافحة ألأوبئة و ألأمراض على قدم ألمساواة مع دول متقدمة أصبح سكانها مرغمين داخل غرف عُلَب مع ضآلة في مواد التموين و ألتغذية وصولآ إلى ندرة لأبسط المتطلبات من كمامات عازلة ، قفازات طبية أو أردية للطواقم الطبية مع مدعاة سخرية تداولها العامة عن التهافت على المحارم و الفوط الصحية الورقية التي خلت منها رفوف المتاجر الكبرى ..!
من جهة أخرى ، إذا إستبعدنا نظرية المؤامرة ألهادفة عبر الفيروس المميت إلى فرض مرحلة جديدة على الحياة الانسانية إضافةً لجملة اسباب مادية أو إستثمارية ليس أقلها فتك جرمي جنائي مقصود بالمسنين
و ذوي الحالات الخاصة الذين تعدوا أل 65% من عدد سكان دول كثيرة مرفهة شعوبها أرهقوا إقتصادياتها
و دخلها القومي وصولآ للتسبب بعجز في التسديد أو إفلاس شركات التأمين الصحي إلى جملة أسباب أُخَر تعددت و الموت واحد .. فإن فرضية انفلات الفيروس من المختبرات ألبيولوجية و تسربه أمر ممكن ألحدوث إلا أنه يؤكد بألمقابل عدم أخلاقية و صوابية ما يجري في داخلها من ابحاث عنوانها العريض تخليق ألأسلحة البيولوجية و الجرثومية بدل ألسعي لإيجاد اللقاحات أو العلاجات لكثير من الامراض التي ما زالت مستعصية ألشفاء ..!
أما عامل ألصدفة و التطور الجيني ألطبيعي Genetic Évolution Of Viruses فقد أثبت عجزآ مهينآ لمراكز الابحاث ألطبية و الجرثومية في قصورها عن إيجاد بروتوكول المعالجة ألمنهجي الناجع أو توافر الفحوصات السريعة على الاقل رغم المدة الزمنية التي انقضت على تفشي الوباء بألتزامن مع إعلان كثر من القادة السياسيين و رؤساء الدول في مقدمتهم الرئيس ألأميركي دونالد ترامب الحاجة لوقت طويل قد يتجاوز السنة رُبما للنجاح في إيجاد الترياق الشافي ؛ لكن الصادم أكثر فهو ما أكدته منظمة الصحة العالمية “أن عدم توفر لقاح ضد وباء كوفيد-19 حتى الآن قد يجعله من جملة الفيروسات المتوطنة التي تحيط بنا مما يجبرنا على التعايش معه بشكل طبيعي ..” كما حذرت المنظمة التابعة للأمم المتحدة من الآثار النفسية الناتجة عن ظهور هذه الجائحة في العالم فالحجر وفقدان الأحباء والخوف من المستقبل كلها عوامل من شأنها أن تصيب البشر بأمراض نفسية طويلة الأمد ..!!
على صعيد أعمق ؛ حظي COVID 19 بإجماع المحللين و المراقبين “أن ما قبله ليس كما بعده” إذ أن ألمتغيرات ستعم و ستتوالى سياسيآ و إقتصاديآ و إجتماعيآ على نحو غير مسبوق ؛ هذه المتغيرات غير إيجابية في غالبها لا بل انها ضجيج و صدى انهيار مريع للقدرات و ألأدوار بألتالي ألأنظمة ؛ مع ألإكتفاء بذكر بندين بألمختصر أولآ تراجع ألعولمة Globalization و سُقوط أدواتها في ألتحكم و السيطرة كتسيد ألرأسمالية المتحكمة في الاقتصاد العالمي ، “ألإستحواذ ألثقافي” Cultural Acquisitions عَبرَ تدنيس الثقافة ألأصلية أو المحلية للمجتمعات ، إلغاء الحدود الجغرافية و تلاشي المسافات بحيث أصبح العالم قرية كونية واحدة Global Village .. ثانيآ صعود ألنيوليبرالية Neoliberalism و هيمنتها جبرآ عَبرَ أدواتها ألأساسية صندوق ألنَقدي ألدولي IMF ؛ البنك الدولي WB ، منظمة التجارة العالمية WTO .. تاليآ فإن النزعة القومية و الراديكالية ستطغى كما ان الحدود القومية بين الدول ستعود إلى سابق عهدها مثل دول الاتحاد الاوروبي ..!
عالميآ ؛ في ظل تفاقم الوباء و عدم القدرة على إحتواءه فإن عداد ألإصابات يراكم أرقام الضحايا مع إرتفاع صادم في منحنى البيانات ألإحصائية ؛ كما ان عبارة (ألإغلاق ألكامل) Lock Down أو الحجر العام باتت هاجسآ مخيفآ و مقلقآ ؛ و كما في عولمة الوباء مع ما فرضه مِن نتائج قاسية مؤلمة يتوجب عولمة الشفاء عَبرَ إيجاد اللقاح و نشره سريعآ ..! أما وطنيآ ؛ فلا حصانة لأحَد بمواجهة ألوباء ألتاجي على أمَل إنهيار “مناعة ألقطيع” Herd Immunity أفقيآ و عاموديآ لدى طاقم الفساد و المال المنهوب مع ألأخذ بعين ألإعتبار أن سُقوط الحصانة ألمناعية Immunodeficiency يبقى مرتبطآ بأمران لا ثالث لهما حيادية القضاء مع إعتماد معادلة “ألقمة” سواء في نوعية ألأشخاص أو في عدالة ألأحكام ؛ أما ألأمر ألثاني فيكمن في إستمرارية الانتفاضة الشعبية المتوقع ارتفاع حرارتها صيفآ متسببة بحرائق غير قابلة للإخماد دون ألسائل ألرغوي ألمركز Foam Concentrate ذو التركيبة المطلبية ألشعبية المحقة ..!
——————-
بيروت في17.05.2020