الاعتراف بالغدر شرط الوعي الناضج .. والوفاء بطولة وجودية تمارسها قلة اختارت أن تخون غرائزها…

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*

إن تأمل الفعل الإنساني في تشظياته الوجودية يكشف عن استعداد كامن للغدر يتوارى خلف ستار المصلحة وينبعث حين تضطرب الانفعالات. فالغدر ليس انحرافاً طارئاً عن السوية، بل إمكانية أصيلة تتفجر في لحظة تعارض المصالح أو هياج النفس، حيث ينهار البناء الهش للثقة.
تتكثف هذه اللحظة التراجيدية في نداء قيصر الشهير: Et tu, Brute- “حتى أنت يا بروتس؟” وهو ليس مجرد استفهام بل انكشاف أنطولوجي لصدمة الوعي أمام خيانة لم تكن في الحسبان. المفارقة هنا لا تكمن في فعل القتل، بل في هوية الفاعل: الصديق الذي يمثل امتداداً للذات. إنها لحظة سقوط اليقين في الآخر بوصفه ملاذاً وجودياً.
من هذا المنطلق، لم يكن توصيف توماس هوبز لـ”الإنسان ذئب لأخيه الإنسان” اعتباطياً، بل تشخيصاً لحالة الطبيعة حيث تغدو الذات مهددة بالذات الأخرى ما لم يقيدها سلطان خارجي. وعلى المنوال ذاته، حذر مكيافيلي من سذاجة الركون إلى صداقة لا تحرسها المصلحة، لأن تبدل الأهواء قانون يحكم الانفعالي فينا، فيحل الغدر محل العهد.
إن الكائن البشري محكوم غالباً ببنية مصلحية-انفعالية تجعل “الأنا الانفعالية” تتقدم على “الأنا الأخلاقية”. فالفروسية بوصفها تجاوزاً للذات الضيقة نحو الوفاء لإرث الإحسان، ليست معطىً عاماً بل فعل تعالٍ على النوازع الأولية لا تقدر عليه إلا ذوات مهيأة وجودياً له.
وإذا كان الغدر هو اللحظة التي تنكشف فيها “الذات الذئبية” بوصفها حقيقة أنطولوجية، فإن الوفاء يغدو فعل مقاومة ميتافيزيقية ضد قانون الغاب الكامن فينا. العقد الاجتماعي لا يلغي ذئبية الإنسان بقدر ما يروّضها عبر وهم متبادل بالأمان، لكن الغدر يأتي ليفضح هشاشة هذا الوهم ويعيد الذات إلى عراءها البدائي .
هنا تتموضع مأساة الوعي الأخلاقي: فهو يعرف أن الفروسية استثناء، ومع ذلك يطالب بها بوصفها قاعدة. إنها مفارقة التراجيديا التي أشار إليها نيتشه في جدلية “أخلاق السادة وأخلاق العبيد” – فالوفاء قيمة أرستقراطية تفرضها ذات متعالية على نفسها، بينما الغدر هو اقتصاد الغريزة التي تدبر بقاءها.

 

 

لذلك، فإن كل خيانة هي “انقلاب أنطولوجي” يطيح بتصورنا عن الآخر بوصفه “أنا آخر”، ويعيده إلى حقيقته كـ”آخر مطلق” لا يؤتمن.
Et tu, Brute ليست صرخة قيصر وحده، بل اللازمة الوجودية التي تتردد في لاوعي كل من راهن على قداسة العهد في عالم تحكمه المصالح المتقلبة. فالغدر لا يقتل الجسد فقط، بل يغتال المعنى الذي منحناه للآخر
إن قيم الوفاء والإحسان والترفع عن الصغائر لا تشكل القاعدة السوسيولوجية للجنس البشري، بل هي تجليات نخبوية لقلة استطاعت أن تروّض ذئبها الداخلي. الاعتراف بالغدر كإمكانية دائمة هو شرط الوعي الناضج، أما الوفاء فيظل فعل بطولة وجودية تمارسه قلة اختارت أن تخون غرائزها قبل أن تخون عهودها.