عُري الألم، والعبور إلى الرحمة…!

خاص – “أخبار الدنيا”

 

بقلم العميد منذر الأيوبي *

ليس العُري دائمآ وٍصْف كَشف جَسَد..! ثمة عُرْيٌ أعمق يسكن الروح لما تَعِبت، يُخْرِج الألم من خبيئته كوتد الصالحين، عجز إحتمال ورفع توكُل.. تجرُدٌ إلا من صرخةٍ، هي إفتضاحٍ كامل للإنسان أمام العالم، ولِنفسٍ أُثقِلَت بمواقيت البكاء، وفقدت قُدرةّ على سترِ الجراح.…

أَ، في سِرّ الآلام تعزيةٌ..؟ لم تكن تعريّة الفادي قبل الصَلب وإن قَصَدَ البَنطي إمتهانآ، إلا رفع حجب عن الكائن البشري في أقصى هشاشته، واقفًا أمام قسوة العالم جاعلا من ضُعفهِ وقاء…

بدا مشهد المرأة التائهة العارية على الكورنيش البحري أكثر من مجرد حادثة. كأن النفس المنكسرة خرجت دفعةً واحدة إلى الضوء… كان العُري في الوجع، في ذلك الانهيار الصامت الذي يبلغ أحيانًا حدّ الظهور العلني، إذ الأرواح المُتعبة لا تستطيع الاختباء إلى الأبد.

في تلك اللحظة، حين وُوجه عُري الألم بالعنف، تحوّلت رماديَة الأرصفة مرآةّ تشهد فقدان مجتمع قدرة الرحمة… وفي كل مرة يُترك فيها الضعيف مكشوفًا أمام الجموع، تعود الجلجلة أمثولة لا ذكرى… إحتمالٌ ساكن قلب البشر؛ احتمال القسوة، واحتمال الإدانة، واحتمال أن يتحوّل الإنسان شاهدٌ بارد على سقوط أخيه الإنسان.

لكن سرّ الجلجلة لم يكن في الصَلبِ وحده، بل في قيامة عَبَرَت منه. من هنا تبقى المأساة الحقيقية ليست في غلظة وعُنفِِ مَارّة امام فقدان إتزان لِتَغَرُب عقل، بل في ان تُترك تلك السيدة وحيدةّ داخل كينونة مُرتعبة، بلا يدٍ تسترها، وبلا قلبٍ يرى فيها صورة المخلوقة المُتعبة…

ولعّلَ القيامة، في معناها الأعمق، إلا فرح الملائكة، رحمة عَصيَة على الغياب، لا تسأل عن الخطيئة، بل تنحني على الجراح كما إنحناء الضوء على العتمة.

ولعّل الإنسان لا يُقاس في لحظات قوته، بل في تلك اللحظات التي يصبح فيها عاريًا من كل شيء… إلا من ألمه… ولهذا بقيت العبارة الإنجيلية أوسع من قسوة الأزمنة: «كُلُّ ما فَعَلتُموهُ لأحدِ إخوتي هؤلاءِ الصِّغار، فلي قد فَعَلتُموه».…

———————————

*عميد متقاعد؛ كاتب