واشنطن تضغط، وطهران تتماسك… المفارقة الإستراتيجية…!

 

خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم : العميد منذر الايوبي*

في الحسابات الاستراتيجية، يُفترض أن يؤدي الضغط المتراكم إلى تفكيك إرادة الخصم وضرب مركز ثقله.لكن في الحالة الإيرانية، ما جرى كان العكس تمامًا، فالضغط الأميركي لم يُصِب عُمق بنيته رغم الأضرار والخسائر الفادحة، بل تحول إلى مُحفِّز لإعادة التموضع والتحصّن.

أتى قرار الرئيس ترامب الإنسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، دافعًا لاعتماد واشنطن ما يمكن تسميته عقيدة الإستنزاف المُركّب (The Doctrine of Complex Attrition)، وهي مقاربة تتجاوز المفهوم التقليدي لحرب الاستنزاف عبر دمج أبعاد عسكرية، اقتصادية، سيبرانية، نفسية ولوجستية، بهدف خنق الخصم وإنهاكه، وبالتالي دفعه نحو الانهيار الداخلي أو التنازل عن شروطه، عبر رفع كلفة الصمود إلى حدّ الانكسار.

لكن التقدير الأميركي أخطأ في تعريف الهدف وطبيعته. إذ إن إيران لم تكن بنية اقتصادية هشّة فحسب، بل منظومة ذات طابع أيديولوجي–أمني، حيث لا يُقاس البقاء بمؤشرات النمو، بل بقدرة النظام على التحكم الداخلي وإدارة التهديد. وفي هذا النوع من الأنظمة، لا يؤدي الضغط إلى الانهيار، بل غالبًا إلى “التصلّب” (Ideological Rigidity) وإعادة إنتاج الشرعية تحت عنوان “مواجهة الخطر الخارجي”.

على هذه الخلفية، أعاد النظام تموضع مركز الثقل تلقائيًا بدل أن يتفكك، فانتقل مركز القرار تدريجيًا نحو الجهات الأكثر صلابة—أي الحرس الثوري—باعتباره الجهة القادرة على العمل ضمن بيئة صراع دائم، ليتراجع في المقابل دور التيارات البراغماتية أو الإصلاحية التي تحتاج هامش استقرار لا توفره بيئة الاستهداف المستمر.

استنادًا إلى ذلك، يمكن تلخيص المشهد الإيراني الداخلي عملياتيًا كالتالي: الضغط لم يُضعف مركز القيادة، بل أدى إلى تحصينه… لم يُوسّع هامش المناورة السياسية، بل قيّده… كما لم يُنتج انقسامًا داخليًا فاعلًا، بل رفع مستوى الانضباط والالتزام إلى حدٍّ ما…

ورغم هذا التماسك البنيوي، لا يمكن إغفال أن الضغط المتراكم ترك أثرًا عميقًا في البنية الاقتصادية–الاجتماعية الإيرانية، حيث أدى إلى تآكل تدريجي في القدرة الشرائية، وتراجع في قيمة العملة، واتساع فجوة الثقة بين المجتمع ومراكز القرار. إلا أن هذه الهشاشة لم تتحول إلى عامل تفكيك سياسي مباشر، بل جرى احتواؤها عبر أدوات الضبط الأمني وإعادة توجيه الخطاب الداخلي نحو تحميل العامل الخارجي مسؤولية الأزمة. ما يعني أن النظام نجح حتى الآن في الفصل النسبي بين “الصلابة السياسية” و”الضغط المعيشي”، مانعًا انتقال التوتر من المجال الاقتصادي إلى مستوى تهديد الاستقرار البنيوي.

هنا، وقعت العقيدة الأميركية في التباس كشف ثغرة جوهرية في المقاربة، بمعنى الخلط بين الضغط كوسيلة ردع والضغط كوسيلة تغيير. فالردع قد ينجح تكتيكيًا، لكنه غير كافٍ لإحداث تحوّل بنيوي، خصوصًا عندما يكون الخصم مهيأً لامتصاص الصدمات وإعادة تدويرها. وحتى الآن، تبدو واشنطن وكأنها تضرب البنية الدولتية، فيما التركيبة الأيديولوجية الدينية–الأمنية متماسكة من العمق حتى الأطراف.

ليزداد هذا الخلل تعقيدًا بالعامل الإسرائيلي، بناءً على مقاربة يدفع بها بنيامين نتنياهو ترتكز على الرفع التصاعدي لسقف الاشتباك مع تضييق هامش التهدئة. لكن هذه المقاربة تُقلّص في الآن نفسه احتمالات الوصول إلى تسوية أو اتفاق، وتدفع تاليًا نحو مسار تصعيدي طويل.

إزاء ما تقدم، لم تأتِ النتيجة النهائية وفق المتوقع—أي تغيير في بنية النظام الإيراني أو سلوكه على الأقل—بل على العكس، أدّت إلى ترقية في أدائه السياسي والأمني، بمعنى نظام أكثر مركزية وأقل قابلية للاختراق.

في المحصلة؛ هذه العقيدة الاستراتيجية (الأميركية–الإسرائيلية) المتآلفة إزدواجيًا، قد لا تُفضي إلى الحسم بقدر ما تُنتج توازنًا مشوّهًا: نظام أكثر صلابة على المستوى الأمني، لكنه مثقل بأعباء اقتصادية–اجتماعية قابلة للتراكم. ومع عامل الوقت، قد يتآكل هذا المسار بالإنفصام الذاتي، لا بفعل الضربة الخارجية بل نتيجة الضغط المركّب غير المتكافئ بين بنيةٍ سياسية متماسكة وقاعدة داخلية مُجهَدة.
وعليه، فإن تثبيت حالة الاشتباك المُزمن لا يلغي احتمالات الانفجار، بل يؤجلها ويعيد تشكيلها. حينها لن يكون السؤال من الأقوى…؟ بل أيّ المسارات كان أكثر قابلية للاستدامة…؟ وأين وقع الخلل الحقيقي في تقدير طبيعة الصراع…؟

————————————

*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية