لبنان بين الاحتلال والسلاح.. كيف نكسُر الحلقة المفرغة؟

 

خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الايوبي*

لا يزال الوطن في مرحلة المَخاض بين الولادة الطبيعية او القيصريَة، ولكلاهما اسباب الموت المُحتم ان تأخرت او اخطأ الطبيب ..! وعلى نقطة التقاطع بين التصعيد العسكري المترافق مع إنقسام داخلي غير مسبوق، يتحوّل البلد ساحة مفتوحة لصراعات تتجاوز قدرته على الاحتمال. فالعمليات العَدوّة باتت مختصة بالهدم والجرف والحرق، والقنص من المسيرات، ذلك في سياق يتعدّى الردع إلى فرض وقائع ميدانية جيو ديموغرافية تغدر في البنية الاجتماعية جنوبآ. في المقابل، أسهم انخراط «حزب الله» في صراعات إقليمية، وارتباطه العضوي بإيران، في إدخال لبنان ضمن معادلات لا يملك التحكم بها.

في المبدأ، لا خلاف على أن الاحتلال هو أصل العدوان، وأن مقاومته حق مشروع. غير أن الإشكالية تبدأ حين لا يبقى هذا الحق محكومًا بإطار وطني جامع، أو حين تتداخل أهدافه مع صراعات أوسع، فيتحوّل من وسيلة للتحرير إلى عنصر إضافي في تعقيد الأزمة.

في الفلسفة السياسية، لا تُقاس شرعية الوسيلة فقط بنيّتها، بل بقدرتها على البقاء خاضعة للهدف الذي وُجدت من أجله. فحين تنفصل هذه الوسيلة عن غايتها، لا تعود أداة للتحرير بل واقعًا قائمًا بذاته. عندها، لا يعود السؤال: هل هذه الوسيلة مشروعة…؟ بل: هل ما زالت تخدم الغاية أم أصبحت بديلًا عنها…؟

هكذا تتشكّل الحلقة المفرغة: الاحتلال يبرّر السلاح، والسلاح يبرّر استمرار التوتر والاعتداءات. وبين هذين الحدّين، يتآكل موقع الدولة ويتراجع القرار السيادي، فيصبح لبنان عالقًا بين منطقين لا يلتقيان.

في هذا السياق، لا يصح اختزال النقاش بين رفض مطلق للتفاوض أو القبول به كحل سحري. فالتفاوض ليس تنازلًا بحد ذاته، لكنه أيضًا ليس ضمانة. قيمته تتحدد بقدرته على تحقيق هدف واضح: إنهاء الاحتلال واستعادة الاسرى بالتالي تقليص كلفة الصراع، ضمن رؤية وطنية موحّدة لا تزال متعذرة.

وإذا كان السلاح خارج إطار الدولة يطرح إشكالية الشرعية والقرار، فإن التفاوض المباشر لا يقلّ حاجة إلى غطاء وطني جامع، لا يحتمل الانقسام الحاد. غير أن الفارق الجوهري يكمن في الطبيعة: إذ ان التفاوض مسار سياسي قابل للمراجعة والتعديل، بينما السلاح يفرض وقائع ميدانية يصعب احتواؤها إذا غاب عنها التوافق الداخلي.
لذا فإن الشرط الأساسي ليس إجماعًا كاملاً، بل حدّ أدنى من التفاهم الوطني يمنع تحوّلها عناصر تعميق للأزمة.

غير أن هذا التفاهم الداخلي، على أهميته، لا يكفي بمفرده. فلبنان لا يعيش في فراغ، بل في قلب توازنات إقليمية ودولية معقّدة. من هنا لا يكون الحل داخليًا صرفًا ولا خارجيًا مفروضًا، بل في تلاقي الاثنين: قرار لبناني يحدّد الاتجاه، ورافعة خارجية تؤمّن الضمانات. فالتسوية التي لا يملكها الداخل لا تعيش، والتي لا يحميها الخارج لا تُطبّق.

في هذا الإطار، يمكن للخارج—ولا سيما الولايات المتحدة—أن يفتح مسارات التهدئة ويوفّر مظلة تفاوضية جدية وضمانات تنفيذ، لكنه لا يستطيع أن يحلّ محل القرار اللبناني أو أن يبني شرعيته. فالشرعية تُنتج في الداخل، بينما يقتصر دور الخارج على تسهيلها أو حمايتها.

غير أن الرهان على تلاقي الإرادة الداخلية مع الرافعة الخارجية يفترض ضمنيًا وجود نقطة تقاطع فعلية بين مصالح الأطراف، وهو افتراض يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالتجارب السابقة تُظهر أن القوى الدولية لا تتدخل بوصفها ضامنًا محايدًا، بل كفاعل يسعى إلى تثبيت توازن يخدم أولوياته، وفي مقدمتها أمن إسرائيل واستقرار بيئتها الاستراتيجية، لا بالضرورة استعادة لبنان كامل سيادته.
من هنا، يكمن الخطر في أن يتحوّل أي مسار تفاوضي—إذا لم يستند إلى حد أدنى من التوازن الداخلي—إلى عملية إدارة نزاع طويلة الأمد بدل أن يكون مدخلًا لحلّه. وعندها، لا يُعاد إنتاج الاستقرار، بل يُعاد تعريفه بما يتلاءم مع ميزان القوى القائم، فيُختزل مفهوم السيادة تدريجيًا من قرار مستقل إلى هامش مُدار ضمن سقوف خارجية.

أما إسرائيل، ففي أي مرحلة انتقالية ستتعامل كفاعل أمني، يسعى إلى تثبيت مكاسب تعلنها تحت النار، صنف هدوء مضبوط طويل الأمد أكثر من سعيها إلى تسوية نهائية. أولويتها تقليص التهديد المباشر عبر ترتيبات أمنية وآليات رقابة صارمة، ما يطرح خطر تحويل المرحلة الانتقالية إلى حالة دائمة؛ تفرض وقائع ميدانية تدريجية، ليصبح الخطر الحقيقي في التكيّف معها، حيث يتحوّل المؤقت إلى دائم لتتقلص السيادة تدريجيًا.

في المقابل، قد يُستخدم استمرار الاشتباك كأداة ضغط لتحسين شروط التفاوض أو منع فرض وقائع مضادة. غير أن هذه المقاربة لا تعني بالضرورة وجود مصلحة في إطالة المواجهة بل في جعلها ضمن حدود تحفظ ورقة القوة. فإطالة المراوحة دون أفق واضح تحمل مخاطر الاستنزاف وفقدان السيطرة، وقد تنقلب من عنصر قوة إلى عامل إضعاف.

كما أن هذا الواقع لا ينفصل بالكامل عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث يتقاطع التصعيد مع حسابات تفاوضية أكبر، من دون أن يعني ذلك تطابقًا في الأهداف. وهنا تكمن الإشكالية: عندما تُربط الساحة اللبنانية بإيقاع التفاوض الخارجي (أميركي-إيراني)، ولو بشكل غير مباشر، لتفقد بالتالي جزءًا من استقلاليتها، ويتراجع هامش القرار الوطني.

انطلاقًا من كل ذلك، يصبح الخروج من المأزق عبر مقاربة براغماتية تدريجية تربط المسارات بدل فصلها: تثبيت وقف نار فعلي برعاية دولية، إطلاق مسار تفاوضي مرحلي هدفه إنهاء الاحتلال ضمن ترتيبات أمنية متبادلة، وبالتوازي بدء مسار داخلي لتنظيم السلاح ضمن استراتيجية دفاعية تقودها الدولة (باتت مرفوضة اصلآ) من بعض أفرقاء الداخل، وصولًا إلى التمكن من حصرية القرار العسكري.

الأمور ليست زهرية بالكامل، والخروج من هذا الظلام لن يكون بلا أثمان. لكن التحدي ليس في قبول التضحيات بحد ذاتها، بل في إستثمارها ضمن رؤية واضحة، بحيث تكون مرتبطة بهدف ملموس وسقف سياسي مدروس كي لا تفقد قيمتها السامية بدل أن تكون جسرًا وطيدآ نحو الاستقرار.

وإذا طال أمد المراوحة، فإن لبنان لا يعود ينتظر حلآ بل ينزلق نحو واقع أخطر: تثبيت أمر واقع ناقص السيادة، وترسيخ ازدواجية تُفرّغ الدولة من مضمونها. ومع مرور الوقت، يتحوّل هذا الوضع حالة اعتيادية يُطبَّع معها، فتتراجع القدرة على التغيير وتصبح إدارة الأزمة بديلاً عن الخروج منها.

يبقى السؤال الجوهري: هل تملك الدولة اللبنانية القدرة على كسر هذه الحلقة…؟ الجواب لا يكمن في الشعارات والتنظير، بل في توافر الشروط. فالدولة تمتلك عناصر القوة، لكنها تبقى عاقرة ما لم تتحوّل إلى قرار. وعندما يلتقي الحد الأدنى من التفاهم الداخلي المتوازن مع رافعة خارجية عادلة ضامنة، تنتقل هذه القدرة من مستوى الإمكان إلى مستوى الفعل. عندها فقط يصبح كسر الحلقة المفرغة مسارًا واقعيًا، لا مجرد امل.

—————————-

*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الامنية والاستراتيجية