طهران عقدة جيوسياسية في خرائط النفوذ داخل النظام العالمي الناشئ
خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم : العميد منذر الايوبي *
لم تعد طهران تُقارَب بوصفها أزمة إقليمية قابلة للاحتواء أو دولة تتحرك على هامش النظام الدولي، بل أخذت تتموضع تدريجيًا في قلب الاشتباك الجيوسياسي بين القوى الكبرى، حيث تتداخل خرائط الطاقة مع الممرات البحرية، وتتقاطع اعتبارات الأمن مع الصراع على إعادة تشكيل موازين القوة العالمية. وعليه، لم تعد المواجهة محصورة بملفها النووي أو بمنظومة العقوبات المفروضة، بقدر ما أصبحت جزءًا من سياق أوسع يرتبط بالتحولات الجارية في بنية النظام الدولي، بما يشمله من تنافس على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي ومسارات التجارة العالمية.
في هذا السياق، تبدو المواجهة العسكرية الدائرة أقرب إلى عملية إعادة تشكيل لشروط التفاوض قسرًا، إذ تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تقويض عناصر القوة الإيرانية قبل الانتقال إلى أي تسوية محتملة، بينما تراهن طهران على أن قدرة الصمود كفيلة بمنع تحويل التفاوض مسار استسلام مقنّع.
ولعل ما أشار إليه هنري كيسنجر في كتابه World Order حول ارتباط الاستقرار الدولي بتوازن المصالح أكثر من توازن النوايا، يفسّر جانبًا أساسيًا من تعقيد المشهد الراهن، إذ لم تعد أزمات الشرق الأوسط منفصلة عن فوضى التحولات الدولية، بل تحولت إحدى ساحات اختبارها الأساسية.
خلال السنوات الماضية، سعت الولايات المتحدة إلى تقليص انخراطها المباشر في الشرق الأوسط تمهيدًا لإعادة توجيه ثقلها الاستراتيجي نحو آسيا واحتواء الصعود الصيني. إلا أن حقائق الجغرافيا السياسية أعادت وضع المنطقة على أولويات القرار الأميركي.
في المقابل، تنظر الصين إلى استقرار تدفق الطاقة وحماية خطوط التجارة باعتبارهما جزءًا من أمنها القومي الاستراتيجي، لكنها تحرص في الوقت ذاته على تجنب الانخراط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. انطلاقًا من هذه الرؤية تبدو مقاربتها أقرب إلى إدارة النفوذ عبر الاقتصاد والدبلوماسية والتفاهمات بعيدة المدى.
عليه، تكتسب العلاقة مع طهران أهمية متزايدة داخل الحسابات الصينية، وإن بقيت محكومة ببراغماتية دقيقة تتجنب التحالفات الصدامية المباشرة أو التورط في التزامات عسكرية واسعة.
أما إيران، فتبدو بدورها مدركة لطبيعة التحولات الدولية الجارية، وتحاول توظيف التناقضات بين القوى الكبرى بما يسمح لها بتوسيع هامش المناورة السياسية والاستراتيجية. فكلما ازداد التنافس الأميركي–الصيني حدة، ارتفعت قدرة القوى الإقليمية المتوسطة الحجم والفاعلية على تحسين شروط تموضعها داخل المشهد الدولي.
مع ذلك، فإن قدرة طهران على التأثير الجيوسياسي كما ترجمة نفوذها الإقليمي إلى قوة دولية مستدامة تبقى مرتبطة أيضًا بعوامل داخلية واقتصادية معقدة، في ظل ما مُنيت به من خسائر هائلة وما تواجهه من تحديات اجتماعية متراكمة..
في موازاة ذلك، تراقب دول الخليج هذه المتغيرات بقدر عالٍ من الواقعية السياسية، إدراكًا منها أن أي تبدل في طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران لن يبقى محصورًا في بعده الأمني، بل سينعكس على منظومة الاستقرار الإقليمي. لذا تبدو العواصم الخليجية أكثر ميلًا إلى سياسات التوازن والانفتاح المتبادل، سواء تجاه الولايات المتحدة أو الصين، تفاديًا للتحول ساحة اشتباك مفتوحة، مع سعي متزايد للحفاظ على هامش استقلالية أوسع في القرار الاستراتيجي.
كما أن المشهد الإقليمي لم يعد يُختزل فقط بصراع القوى الكبرى، إذ برزت قوى إقليمية: تركيا، إسرائيل، مصر والمملكة العربية السعودية كلاعبين يمتلكون بدورهم حسابات مستقلة إلى حد ما، وقدرات متزايدة على التأثير، بعيدًا عن منطق الاصطفاف التقليدي الكامل خلف المحاور الدولية.
من اللافت أن المعضلة الأميركية لا تقتصر على كيفية احتواء إيران، بل باتت ترتبط أيضًا بمنع تحوّل أزماتها إلى فرصة استراتيجية لمنافسي واشنطن الدوليين. فالإدارة الأميركية تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة واسعة في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى استنزاف إضافي لقدراتها، في وقت تعتبر فيه الصين الخصم الاستراتيجي الأبرز على المدى البعيد. من هنا تبدو واشنطن محكومة بتوازن دقيق بين ضرورات الردع ومتطلبات تجنب حرب مفتوحة كلفتها غير مضمونة النتائج.
مما تقدم، يصبح السؤال أبعد من مجرد نجاح جولة تفاوض أو تعثر تفاهم مرحلي. بل هل تحولت إيران إلى ورقة ضمن عملية إعادة توزيع النفوذ العالمي..؟ أم إلى لاعب إقليمي يسعى بدوره إلى فرض شروطه داخل هذا التحول الدولي المعقد..؟
الأرجح أن العالم يقف أمام مرحلة انتقالية تتراجع فيها أنماط الهيمنة التقليدية من دون أن يستقر بعد على توازنات بديلة واضحة.
وفي هذا الفراغ الجيوسياسي المتحرك، تبدو طهران أكثر من مجرد ملف سياسي أو أمني؛ لتكون إحدى العقد الجيوسياسية، في لحظة يعاد فيها رسم خرائط النفوذ ومعايير التوازن داخل النظام العالمي الناشئ…
————————
*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية
