على حافة الجحيم … كيف تدار الحروب التي لم تبدا بعد ؟!!!

 

خاص – ” الدنيا نيوز”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود

لم تكن الأزمة الكوبية في تشرين الأول (اكتوبر)١٩٦٢م ،لحظة انتصار. كانت لحظة لم يحدث فيها شيء. صاروخ لم يُطلق، وزر ضغط لم يُداس. هناك، على شاشات الرادار، وقف العالم دقيقة واحدة بين “ما كان” و “ما لم يكن”. تلك الدقيقة اسمها العلمي: *سياسة حافة الهاوية*.

الفصل الأول: المشهد 

تخيّل طاولة شطرنج، لكن القطع ليست خشب. قطعها مدن، ومصانع، وأجيال لم تُولد بعد. اللاعبان لا يريدان كسر الرقعة، لكن كل واحد يرفع قطعة الملك قليلاً نحو حافة الطاولة. يريد أن يرى الخوف في عين الآخر قبل أن يرى الكسر في يده. هذا هو التعريف الجيوسياسي الدقيق: دفع الخصم إلى حافة الصراع المسلح، لا لخوضه، بل لانتزاع تنازل قبل الوصول.

المعادلة باردة كالحديد:
`قيمة الضغط = المكاسب السياسية المرجوة – [احتمال الحرب × كلفة الحرب]`
إن زادت كلفة الحرب في حساب الخصم عن مكاسبك، انحرف. وإن رأى أنك مستعد للكسر أكثر منه، دفع هو.

الفصل الثاني: قواعد اللعبة

لعبة “الدجاج” Chicken Game لا يفوز فيها الأقوى، بل من يجعل خصمه يصدّق أنك لا تملك مقوداً أصلاً. توماس شيلينج سمّاها “الالتزام غير العقلاني”. ترمي المفتاح من الشباك وتقول: “الآن لا أستطيع التوقف حتى لو أردت”. الرعب هنا ليس في القوة، بل في فقدان السيطرة المتعمّد.

لكن الحافة لها ٤ حراس لا يغفرون الخطأ:
1. خط أحمر مرسوم بالطباشير لا بالدم: إن كان غامضاً، سيعبُره الاثنان معاً دون قصد. وضوح العتبة هو طوق النجاة.
2. هاتف أحمر لا ينقطع: في عام ١٩٦٢م كان الخط الساخن بين واشنطن وموسكو. اليوم قنوات خلفية مشفّرة. حين يصمت الهاتف، تبدأ المدافع بالكلام.
3. سُلّم للنزول محفوظ الكرامة: لا أحد يقفز من الهاوية إن كان السقوط يعني الإذلال. السياسة العاقلة تترك للخصم جسراً يعود عليه دون أن يبدو مهزوماً.
4. رعب متبادل متوازن: يعمل فقط حين يملك الطرفان ما يخسرانه. حين يدخل طرف لا يملك شيئاً، تتحول الحافة إلى انتحار.

الفصل الثالث: لحظة السقوط

الحروب المفتوحة لا تُعلن. هي تتسلل عندما تفشل إدارة التصعيد. ليس بسبب خطة شريرة، بل بسبب ٤ ثقوب صغيرة:
سوء تقدير نية الخصم، كما في عام ١٩١٤ عندما اندلعت الحرب العالميّة الأولى .
قرار تحت ضغط زمني يقتل التفكير.
قائد ميداني يطلق النار قبل أن يصل الأمر.
وزعيم يستخدم لهيب الخارج لإطفاء حريق الداخل، فينسى أن النار لا تعرف الحدود.

هاوية ٢٠٢٦

اليوم تغيّرت الأدوات لكن القاعدة واحدة. الصواريخ الدقيقة جعلت “الضربة المحدودة” مغرية. الذكاء الاصطناعي جعل زمن القرار دقائق بدل أيام. الحرب الهجينة جعلت من الصعب أن تقول “هنا بدأت الحرب” لأن الضرب صار تحت العتبة: سيبراني، اقتصادي، عبر وكلاء.

سياسة حافة الهاوية ليست شجاعة. هي حساب. وحسابها ينجح فقط بين عقلانيين يرتجفان من نفس الكابوس.
أما إذا وقف على الحافة من لا يخاف السقوط، أو من لا يملك ما يخسره… فحينها لا تعود “سياسة”.
تعود “هاوية مفتوحة”.
كما قال شيلينج: “أقوى ورقة تفاوض هي أن تجرح نفسك أولاً، وتجعل خصمك يصدق أنك ستفعلها”.