صراع البقاء..!


بقلم :العميد منذر الايوبي

انقضى شهر نيسان سريعآ والخواء المحلي سيد الموقف سياسيآ، اقتصاديآ واجتماعيآ.. في الحراك السياسي لا تزال طبقة الفشل تمارس لعبة الكشاتبين الثلاث، مستنكفة لا بل عاجزة عن استلحاق انتخاب رئيس للجمهورية الخطوة الاولى لسلوك مسار الحلول، تماد دون هوادة في الحفاظ على مكتسباتها ومصالحها الذاتية البعيدة لا بل نقيض الوطنية المتجردة، غير آبهة بأي لوم او مساءلة طالما القضاء بمعظمه في حال الفوخرة صمت صدى من قوس العدالة؛ اما الفرنسي الاوروبي ففي تخبط بين ضبط الافادات ومراجعة المستندات، غير عالم ان الحسابات تعتمد “الارقام التخيلية” imaginary numbers على اعتياد، مدونة بالحبر السري، اما المسطر بالاسود الظاهر على الصفحات المستندية وجداول التحويلات فعشوائي لا ينسجم مع قواعد الاثبات القانونية شبه متاهة لا نفاذ منها..!
تاليآ؛ تسبب غياب السفير السعودي وليد البخاري عن لبنان بفراغ شبه هجران والدولة براح، واذ طال انتظاره بعض الشيء ما افسح المجال امام تحليلات وقراءات شتى ملأت الشاشات والمواقع، صلب قناعة، او رغبة مسايرة، على خلفية الانتماء المحوري؛ الا ان المنظومة ولفيفها كما الطامحين الى نزل بعبدا كانوا في حال التلوي على جمر معرفة المواقف السعودية، سيما بعد مستجدات الاقليم ليس اقلها اللقاءات السعودية–الايرانية بمستوياتها المتدرجة.. سرعان ما اتى حضوره بردآ وسلامآ كما لقاءاته لا مُرْية فيها او جدل، فعل تبليغ موقف اظهار حيادية قافزة فوق مصلحة، براغماتية مملكة ترسم مواصفات دون مبالغة بعيدا عن ابجدية الايماء، تضيء على سعي ديبلوماسي محمود ينفي شبهة الصمت المريب ..!

توازيآ؛ اتت زيارة وزير الخارجية الايراني حسين امير عبد اللهيان الى بيروت لتضيف غموضآ ايجابيآ على الموقف السعودي المرجعي، سبق ونضح من منسق الانشطة الفرنسية باتريك دوريل بعد نقل شروط وتعهدات بقيت قيد الدرس والمراجعة على متون المعادلة التفاضلية Differential لحظة مبادلة المتغيرات، سيما ما يتعلق بترشيح الثنائي الشيعي وحلفائه الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية، في ظل نصف سلبية محلية تثبيت تصفير كسور الحسابات السابقة كشف حوار قد يبدأ بين المملكة وحزب الله مُحفز بخفض درجة التصعيد او انهائه..
على ايقاع مزايدات التعطيل لجلسات الانتخاب، انطلق نائب رئيس مجلس النواب الياس نقولا بو صعب في جولة ماراتونية غلى القيادات ورؤساء الكتل، قاطعآ كيلومترات تعادل تقريبآ المسافة الجوية بين بيروت والرياض، في عقمها بيت شعر المتنبي “لا خيل عندك تهديها ولا مال …. فليسعد النطق ان لم تسعد الحال” وفي نجاحها عقلانية امل يبنى على مقولة “دوام الحال من المحال”..!

على الصعيد الاقليمي كان واضحآ ان الاجتماع التشاوري في مدينة جدة لوزراء خارجية دول الخليج بمشاركة مصر، الأردن والعراق لافتآ في توقيته ومضمونه، قبل شهر من موعد انعقاد القمة العربية في السعودية، سعي إنهاء تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية.. كما الاتفاق على اتخاذ مزيد من الإجراءات بما يساهم مرحليآ في استقرار الأوضاع والدفع باتجاه الحل السياسي من منطلق دور قيادي عربي تقوده المملكة، بما يؤدي الى انهاء الازمة السورية. تبقى العبرة في التنفيذ والالتزام، مع الاشارة ان البيان الختامي لحظ ضرورة تهيئة الظروف المناسبة لعودة اللاجئين والنازحين الى بلدهم…!

في نفس السياق اتى لقاء عمّان التّشاوري الذي انعقد الاسبوع الماضي وضم وزراء خارجية الأردن، السعودية، العراق، مصر وسوريا، استكمالاً لاجتماعات عربية وخليجية ثنائية سابقة، هدف وضع استراتيجية شاملة لتعزيز الأمن سواء على صعيد مكافحة الإرهاب وإنهاء وجود المنظمات الإرهابية في سوريا، كما على صعيد التعاون لمكافحة عمليات الاتجار بالمخدرات وتهريبها عبر الحدود السورية مع دول الجوار..! اضافة الى تأكيد معزوفة تجريدية ذات ضاغطة “عودة طوعية آمنة” للنازحين، فيما الأولويّة القصوى خطوات جدية وفق إجراءات محدّدة وضمن إطار زمني دقيق مرحلي وواضح..!

استطرادآ؛ في الواقع المؤذي سجل غياب لبنان او تغييبه بالاصالة عن نفسه عن هذين اللقاءين الهامين، وهو البلد المعني اساسآ الذي يدفع باللحم الحي فاتورة النزوح على المستويات الثلاث الامنية والاقتصادية والديموغرافية بما يهدد اسس الكيان.. واذ اسهمت غيبوبة الدولة بُكرَةً عن القيام بواجباتها اساسا لجهة ضبط وتنظيم النزوح بالتعاون مع المنظمات الدولية، اسفر الاجتماع الاخير اصيلآ الذي عقد في القصر الحكومي برئاسة رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي بمشاركة القادة الامنيين عن ضجيج يساير التململ الشعبي رجاء ألا يدخل في وضعية خطاك راوح لا الى الامام سر..!

في معضلة النزوح،.. من الواضح ان الكرة ترمى من ملعب لاخر مع مماطلة مخادعة تقارب المكيدة تمارسها وتستسيغها بعض المنظمات الدولية، رغم ان وزارة الداخلية اقدمت فاصدرت عدة قرارات تتعلق بمسح جغرافي وبشري للنازحين اضافة الى شؤون تنظيمية بلدية واختيارية اخرى؛ إلا ان خارطة طريق جدية ترسم خطوات مدروسة تحقيقها يحتاج تنسيقآ مع الحكومة السورية برعاية اممية لا تزال مغيبة..! باتت القضية من اوراق المساومة القابلة للمبادلة بالتناسب عند اللزوم، في حين ان عامل الوقت يلفح الديموغرافيا الوطنية برياح ساخنة صيفية..!
استكمالا، برز تصريح النّائب جورج عدوان “إنّ عودة سوريا إلى الجامعة العربيّة، يجب أن تبدأَ بعودة النّازحين السوريّين من لبنان والأردن والبلدان الأخرى إلى بلدهم سوريا، وهذا الأمر بات ملحّاً وضروريّاً” حافز منطق جامع وواقعية معلومة..! كما وصف النائب وائل أبو فاعور خزي وتردد السلطة قائلا: “تقوم القيامة في بيروت حول موضوع النازحين ونزيد انقساماتنا انقساماً ويغيب لبنان الرسمي عن الاجتماعات العربية وآخرها اجتماع الأردن الذي أحد أبرز محاوره عودة النازحين”، سائلاً: “هل هذا دليل جدّية ومسؤوليّة في معالجة الأزمة؟”..!

في الواقع الاجتماعي؛ الامور في انحدار دراماتيكي، والحريق يلهب جيوب الناس عمال، موظفين ومتقاعدين مع ما يماثلهم من شرائح الطبقة الوسطى سابقآ.. واذ يجهد الدولار لتسلق قمة جديدة تتخطى المئة الف ليرة، اتى قرار رفع الدولار الجمركي وسعر صيرفة دفع نفاث مستقبلي لقيمة صرف جديدة، بعيدآ عن اية اصلاحات او خطة توحي بمعالجات جدية.. في حين اضاف تناقض الصلاحيات بين الاجهزة القضائية (هيئة الشراء العام، دائرة المناقصات، طيوان المحاسبة الخ..) يأسآ مضاعفآ من مرتجى الخلاص.. “انموذج صفقة تلزيم المبنى الجديد في مطار بيروت الدولي زمن الفاقة”..!

في الموقف الاميركي الجزم بالحزم عند الاقتضاء؛ بين الرياض وواشنطن ليس من ضرورة للتقية ولا قطبة مخفية قراءة تصريحات كليهما تتلخص بوصية شرعية واجبة مستحبة “ضرورة إيجاد مخارج للإسراع بانتخاب رئيس للجمهورية قادر على توحيد البلاد وإقرار الإصلاحات المطلوبة لإنقاذ الاقتصاد من أزمته”.. بالمقابل فإن التسويق الفرنسي او تبني نظرية المقايضة بين مرجعيتي تسمية الرئاسة الاولى من المحور والثالثة من المعارضة غير مقبولة حتى الآن، فما تمنحه الرياض لواشنطن لن تقدمه لباريس؛ اضافة ان برودة الدور الاميركي بعد نجاح آموس هولشتاين في اقرار الترسيم البحري بالمستوى الاستراتيجي واضح، اذ لن يخرج في الامد القريب عن نطاق النصائح نحو كلام اكثر جدية، طالما ان الصفحة الاكثر اهمية في الملف اللبناني انجزت وحرب المربعات طويت..!

أخيرآ، في وضع متعدد الابعاد مزدحم بالافكار والاجتماعات مرتكز على حراك مبرمج للسفراء السعودي، الاميركي والفرنسي متزامن مع لقاءات الوفد البرلماني الاوروبي، وجولة الوفد القطري كما يتوازى مع الوفود القضائية الاوروبية، يبدو ان الافرقاء المحليين لم يرعووا عن اعتماد المراوغة بالمداورة، حرص بقاء وتحقيق مصالح، ليبقى صراع البقاء فيما بينهم مشرعآ غير مشروع، تلقائي بالغريزة متقدم بالارادة.. ليطرح السؤال هل البقاء للاقوى وفق عالم الطبيعة Charles Darwin ام ان السلوكيات الوطنية والاخلاقية ستكون مداميك انقاذ وطن مدمى..

في 05.05.2023