سوق ال”أنتيكا” في البسطا يحوي تاريخ أمم ومقتنيات عظماء.هنا ستجد سرير هتلر ومقعد اتاتورك ومكتب نابليون

 

 

“أخبار الدنيا” – دانيا يوسف

بين الأزقة القديمة رائحة تشي بالتراث… تتفتح الأحاسيس على عبق يوحي بماض عريق أصيل… ماض تصبو اليه النفس وتحتاجه بعدما اقتحمت الحداثة حياتنا وطوت أياما جميلة كانت ترفل بآلاف المعاني.
نحن هنا في سوق الأنتيكا في منطقة البسطة التحتا في بيروت. مكان آسر يدعونا الى الحلم، الى اكتشاف الاسرار وسبر الاغوار.هنا دعوة مجانية الى ماضٍ تهادى بثقله على تحف تروي بصمتها العميق الف حكاية وحكاية.
وسوق العتق او الانتيكا اسم اقترن بمنطقة حوض الولاية في البسطة التحتا، حيث يتم في هذا السوق بيع وشراء الاثاث والتحف القديمة والرجوع الى القديم بجماله ومتانته.
عند مدخل السوق كان الشاب “أحمد” الذي ورث المهنة عن والده بالانتظار ليكون دليلنا الى داخل السوق الذي يضم أكثر من مئة محل لبيع المقتنيات القديمة.
فالماضي هنا يقدّم نفسه من دون استئذان… والمعروضات كثيرة من قطع نحاسية وزجاجية زخرفية وخشبية من مختلف الاحجام، تنتظر من تجذبه ليشتريها لتدخل منزله شاهدة على حقبة من الزمن.
هشام نعنوس سوري الجنسية تملك عائلته العديد من محلات الانتيكا في سوق مدحت باشا في دمشق. هشام قصد بيروت ليفتح محلا مشابها لمحلات عائلته في الشام القديمة.
“السوق هون بتجنن” ولا يقصدها الا الهواة… فكرة يؤكد عليها جار هشام في المهنة علي كوثراني الذي يضم متجره سجاداً وتحفاً وحُليّاً نسائية وخزائن أرابيسك وثريات. ينتمي علي إلى عائلة معروفة في تجارة الأنتيكا وتملك معارض عدة في الجوار. من هذا المنطلق، يتحدث عن عمله بشعور بالانتماء والشغف.
في سوق الأنتيكا في البسطة التحتا، يشعر أكثرنا بأن من غير المعقول صرف النظر عن أثاث فيه لمسات من أيدي حرفيين فنانين هم، بغير جدال، أبرع من الآلة. وتؤدي المصادفة دور البطولة في تجارة العتق أو “الأنتيكا”، فكثيراً ما يتخلىّ أصحاب قطع نادرة عنها مقابل أسعار زهيدة وهم لا يعرفون قيمتها الحقيقية. اذا تحتاج هذه المهنة الى احتراف وخبرة ليستطيع العاملون بها تقدير قيمة القطع القديمة. فليس كل من تسوّل له نفسه ممارسة هذه المهنة يبرع بها.
بعد هذه الاطلالة السريعة على طبيعة المهنة ومواصفاتها تبقى الجاذبية في التنقّل بين مئات القطع التي تدعونا اليها بسحرها الآسر…
كل قطعة يمكن أن تكون لها حكاية عريقة تماما كالسجاد العجمي أمامنا… كل سجادة عبارة عن تحفة فنية ممهورة بالابداع والذوق والألوان المميزة… والتجار يستقبلون الزبائن بالترحاب، كل يعرض بضاعته مضيفاً عليها سنوات من التاريخ والاحداث الجسام، والروايات الصادقة او المختلقة، مع إلصاق اسم البضاعة بشخصية شهيرة مات صاحبها، ومع ذلك فان الزبون مجبر على التصديق احياناً اذا شعر بميل قوي نحو المعروضات. فتلك سجادة عجمية داست عليها أقدام “انو شروان”، وذلك سرير رقد عليه هتلر، وبالقرب منهما مقعد كان يحلو لأتاتورك التأمل فوقه. اما المكتب فهو لنابليون بونابرت سجل عليه آخر وقائع الهزيمة الكبرى، فيما القنديل كان معشوق جوزفين، وربما ‘ملَّست’ المكواة الفحمية قميص تشرشل في زمن عزّها عندما كانت تعتبر اهم اكتشاف في عالم الادوات المنزلية.
الفائدة من “الأنتيكا” أنها تعيد تدوير نفسها، أي تدوير ما يستهلك منها في بلاد مشهورة بنوعية صناعتها، حيث إن الزمن يضفي على بعضها قيمة وجودة، فيقوم بعض من يشتريها بإجراء التعديلات و”الرتوش” الفنية ليتهافت الزبائن والهواة عليها، وتتحول إلى تحف نفيسة ومناظر أنيقة في مكان عرضها.
داخل المحال أو في مخازن خلفية، هناك مرمّمون يكبون على الأثاث القديم، يرممونه بوسائل وتقنيات تراعي أن يعود كما كان من دون تعديل.
في سوق البسطة التحتا يلقبونه ب”الدكتور”… فهو الكبير الذي احترف هذه المهنة منذ أكثر من خمسة عشر عاما ويعرف القطع كما يعرف الطبيب بأعضاء الجسم. محمد اسماعيل يعتبر نفسه “هاويا” ويدعو للحفاظ على هذا التراث كي لا يندثر.
في هذا السوق لا يلتقي الهواة في أي وقت من النهار لكن تجار الأنتيكا موجودون النهار كله، يستقبلون الزبائن ويشرحون لهم مواصفات كل قطعة…
بعض الناس يزهدون في متاع الماضي لذلك لا تعنيهم هذه القطع… وبعضهم يجد في هذه الأدوات قيمة مالية يستفيد بها ولذلك يعرضها للبيع إن كانت قد انتهت إليك وراثة. وصنف ثالث يرغب في اقتناء آثار السابقين ويفخر بأن أدوات تكاد تندثر قد انتهت إليه فيخصص لها مكانا عزيزا من غرفة الاستقبال في بيته. وهذا ثمنه يكون السباق إلى اقتناء التحفة النادرة، ذات الألوان والأشكال والتصاميم الذكية التي تتماشى مع تطور البشر، مثل الحصول على طاولة أثرية توضع في ركن منزل الهاوي، وعليها تحف مع سجادة عجمية.
هذه هي “سوق الانتيكا” قد باحت اليوم بأسرارها وتركت لنا متعة الحديث عنها…