بين الدولة والقضية.. هل يطوي تفاهم 2026 إرث الثورة 1979؟

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم: العميد منذر الأيوبي*

عندما سُئل وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر عن جوهر المعضلة الإيرانية، لم يتحدث عن أجهزة الطرد المركزي ولا عن نسب تخصيب اليورانيوم، بل طرح سؤالاً بدا فلسفياً وسياسياً في آن واحد:
“هل تريد إيران أن تكون دولة أم قضية؟”.

العبارة تختصر جانباً كبيراً من تاريخ العلاقة المعقدة بين واشنطن والجمهورية الإسلامية منذ نشأتها عام 1979. فالمشكلة لم تكن يوماً محصورة بالبرنامج النووي، بل بطبيعة المشروع الإيديولوجي نفسه، وحدود الدور الذي أرادت طهران أن تؤديه داخل الإقليم وخارجه.

اليوم، مع تزايد مؤشرات التوصل إلى تفاهم جديد بين الولايات المتحدة وإيران عبر قنوات تفاوضية فرضتها الوقائع الميدانية، يعود السؤال ذاته لِيَطرَح ذاته. ليس من باب الجدل النظري، بل لفهم طبيعة التحول الذي تشهده المنطقة بأسرها، وما إذا كانت طهران تقف أمام مراجعة استراتيجية تفرضها الوقائع الجديدة، أم أمام إعادة تموضع مؤقت تقتضيه الظروف الراهنة.

لفهم طبيعة التفاهم الجاري بلورته، لا يكفي التوقف عند بنوده المحتملة؛ فالاتفاقات الكبرى تُفهم من البيئة التي أنتجتها أكثر مما تُفهم من نصوصها التقنية.

عندما وُقّع الاتفاق النووي عام 2015، كانت إيران تتحرك في فضاء إقليمي مختلف تماماً؛ نفوذها يتوسع في أكثر من ساحة، ودمشق استعادت توازنها، والعراق يشهد حضوراً إيرانياً متنامياً، فيما كانت الولايات المتحدة تبحث عن تخفيف انخراطها المباشر في الشرق الأوسط.
تفاوضت طهران آنذاك من موقع قوة صاعدة، بينما تفاوضت واشنطن من موقع الساعي إلى إدارة هذا الصعود واحتوائه؛ لذا كان اتفاق 2015 اعترافاً ضمنياً بموازين القوى على الأرض.

أما اليوم، فالمشهد مختلف جذرياً. المنطقة خرجت من سنوات طويلة من الحروب والاستنزاف الاقتصادي والأمني، ولم يعد أحد يتحدث بلغة المكاسب الكبرى، بل بلغة الحد من الخسائر ومنع الانهيارات الكاملة.
إيران نفسها تواجه تحديات داخلية وإقليمية مغايرة؛ فبعد سنوات من العقوبات القصوى والتوترات، باتت المحافظة على المكتسبات وتثبيتها أكثر أهمية وإلحاحاً من توسيع النفوذ.

في المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة في موقع المنتصر الذي يفرض شروطه النهائية، بل في موقع القوة الساعية إلى منع انفجار إقليمي واسع يهدد استقرار الأسواق العالمية وممرات الطاقة. من هنا، يمكن القول إن مفاوضات 2015 كانت تدور حول كيفية إدارة النفوذ الإيراني، بينما تدور مفاوضات 2026 حول كيفية إدارة المخاطر الناتجة عن استمرار الصراع.

الفارق الأبرز بين المرحلتين أن الاتفاق الأول تمحور حول الملف النووي بصورة شبه حصرية، فيما يأتي التفاهم الحالي في ظل تشابك غير مسبوق بين الملفات. المسألة أصبحت تتصل بأمن الخليج، واستقرار أسواق الطاقة، ومضيق هرمز، والتوازنات الجديدة في المشرق العربي، فضلاً عن حضور الصين وروسيا القوي في النظام الدولي المتحوّل.

أما إسرائيل، فالأمر عندها مختلف. إنها تفاوض بالنار، إذ لم تعد مجرد معترض سياسي خارج غرف التفاوض كما في 2015، بل تحولت في 2026 رقمآ صعبآ في المعادلة الاستراتيجية؛ حيث يسعى مستواها السياسي والعسكري إلى فرض شروط ميدانية، مما يجعل أي تفاهم غير قابل للحياة دون تفكيك هواجسها الأمنية أو كبح مغامراتها العسكرية، وهذا ما يمنح التسوية المقبلة حساسية بالغة.

في هذا السياق، الساحات الإقليمية، وفي مقدمتها الساحة الجنوبية، لن تكون مجرد أوراق تفاوضية كما في السابق، بل هي المختبر الحقيقي لنجاح هذا التفاهم أو سقوطه. فإما أن تفضي معادلة 2026 إلى “ستاتيكو” أمني جديد يعيد الاستقرار إلى هذه الساحات، أو أن تشتعل كخطوط تماس أخيرة في حال تعثر الدبلوماسية.

هنا نعود إلى سؤال كيسنجر. ربما لم تكن المعضلة الإيرانية طوال العقود الماضية في الاختيار بين الدولة والقضية، بل في محاولة الجمع بينهما؛ ترسيخ مصالحها كدولة إقليمية كبرى، والحفاظ في آن واحد على خطاب ودور يتجاوزان حدود الدولة التقليدية. لكن كلفة الصراعات المتصاعدة وضعت هذا التوازن أمام اختبار غير مسبوق، وكلما ارتفعت الكلفة، فرض منطق الدولة نفسه كخيار حتمي للاستمرار.

في الخلاصة؛ بين 2015 و2026 تغيرت خرائط النفوذ، وتبدلت موازين القوى، وتغيرت أولويات اللاعبين الإقليميين والدوليين. قد يكون التفاهم الجديد أكثر من مجرد اتفاق تقني وأقل من تسوية تاريخية شاملة، لكنه يعكس إدراكاً متزايداً لدى مختلف الأطراف بأن كلفة المواجهة المفتوحة باتت أعلى من كلفة التفاهم.
أما ما إذا كان هذا المسار سيقود إلى إعادة هندسة التوازنات الإقليمية بوعي جديد، أم سيبقى مجرد هدنة طويلة تؤجل الصدام ولا تنهي أسبابه، ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه السنوات القليلة المقبلة.

—————————-

*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الامنية والاستراتيجية .