خاص – “أخبار الدنيا”

بقلم: د. ميرنا داود
التاريخ يرفض أن يموت
قبل ثلاثة عقود، أُعلنت “نهاية التاريخ”. قيل إن نموذجاً واحداً انتصر، ولن يأتي بعده شيء. أما اليوم، فنحن نعيش السخرية الكبرى: التاريخ لم ينته، بل عاد بوحشية أكثر تعقيداً.
نحن لا نعيش في نظام يسيطر عليه مركز واحد، ولا في نظام توازن قوتين، ولا في توازن متعدد مستقر. نحن نعيش في “المرحلة البينية”. معبد النظام القديم يتصدع، ومعبد جديد لم تُرسم خرائطه بعد. إنها لحظة القطبية واللاقطبية معاً: أقطاب القوة موجودة لكنها عاجزة عن فرض المعنى، والفاعلون من غير الدول حاضرون لكنهم عاجزون عن خلق نظام.
أولاً: موت الاحتكار وولادة التشرذم
نهاية احتكار الشرعية
عرّف ماكس فيبر الدولة بأنها الكيان الذي يحتكر العنف المشروع. أما النظام العالمي السابق فقد احتكر ما هو أخطر: الشرعية ذاتها. كان مركز واحد يقرر من المارق ومن الشرعي، من الإرهابي ومن المقاوم.
اليوم هذا الاحتكار انكسر. قوى إقليمية كبرى ترسم مناطق نفوذها بالحديد دون إذن من المركز. كيانات عابرة للحدود تفرض حصاراً على ممرات مائية وتغير معادلات الطاقة. الحروب تشتعل دون أن تمر عبر مجلس الأمن.
لم نعد في “أحادية قطبية”. لكننا لسنا في “تعددية قطبية” أيضاً. التعددية تفترض توازناً وقواعد لعبة متفق عليها. ما نراه هو “تعددية فوضوية”: مراكز قوة متعددة، كل مركز يلعب لعبة مختلفة، بقواعد هو من يخترعها.
*صعود اللاقطبية: سلطة اللاسيادة*
الخطر الأكبر ليس من صراع الكبار. الخطر من أن “الكبار” أنفسهم لم يعودوا اللاعبين الوحيدين. هذه هي اللاقطبية. إنها انفجار الفاعلين، وثورة العبيد على الأسياد الجيوسياسيين.
كانت الدولة تحتكر ثلاثة محاور: الحرب، المال، المعنى. واللاقطبية تعني سقوط هذه المحاور الثلاثة.
*الحرب:*
احتكار الحرب سقط. صار الكلاشينكوف أرخص من الكتاب، والمسيّرة أرخص من الدبابة، والشفرة أخطر من الصاروخ. كيان بلا عاصمة يستطيع خنق التجارة العالمية. جماعة لامركزية تستطيع فرض الردع على قوة نووية. هذه ليست فوضى، هذه ديمقراطية العنف. الدولة فقدت ميزتها التاريخية: أن تكون القاتل الشرعي الوحيد. الآن سوق القتل مفتوح، والسلاح في يد من يملك العقيدة، لا من يملك السيادة.
المال:
احتكار المال سقط. كان الدولار هو اللغة التي لا تُترجم، ونظام SWIFT هو القاعدة التي لا يُطرد منها أحد إلا مات. أما اليوم فقد بُنيت قواعد موازية. عملات مشفرة بلا بنك مركزي يمكن غزوه. أنظمة مقايضة بلا دولار يمكن تجفيفه. شركات تتجاوز ميزانياتها ناتج دول، فتقرض الحكومات وتشتري القرار. المال لم يعد يهبط من السماء. صار يخرج من الأرض، من الشبكة، من الخوارزمية. صار سائلاً يخترق كل سد.
المعنى:
وهذا هو الأخطر. احتكار المعنى سقط. كان هناك مجمع إعلامي: ثلاث وكالات وأربع عواصم تصدر فتوى “الحدث”. أما اليوم فكل هاتف منبر، وكل حساب دولة، وكل هاشتاغ ثورة. الحقيقة لم تعد جبلاً يُصعد إليه. صارت بئراً، كل قبيلة تحفر بئرها الخاص. والنتيجة أن العالم لا يختلف على الحل، بل يختلف على توصيف المشكلة. ومن لا يتفق على الاسم، لا يتفق على الدواء.
هكذا تحققت نبوءة ما بعد الحداثة سياسياً: موت السرديات الكبرى. لم نعد نعيش في قصة واحدة. نعيش في مكتبة احترق فهرسها، والكل يدعي أن كتابه هو الأصل.
النظام القديم كان رقعة شطرنج. ملوك وجنود وقواعد واضحة. النظام الجديد حلبة مصارعة يدخلها الجميع: دول، شركات، ميليشيات، هاشتاغ. لا حكم للمباراة.
ثانياً: عندما تتصدع المرجعيات القديمة
نيتشه لم يتحدث عن موت شخص. تحدث عن موت “المركز الأخلاقي” الذي يبرر الوجود.
في السياسة، “المرجعية المطلقة” انهارت مرتين خلال 30 سنة:
انهارت مرجعية اليوتوبيا الشمولية بسقوط معسكرها. انتهى وهم الجنة الأرضية المخططة.
وانهارت مرجعية اليوتوبيا الليبرالية بسلسلة الأزمات المالية والحروب الفاشلة وصعود الشعبويات. انتهى وهم “نهاية التاريخ”.
عندما تسقط المرجعية المطلقة، تتصارع “إرادات القوة”. كل مركز قوة يعلن نفسه مصدراً للقيمة. يخلق قانونه الدولي الخاص. يعلن: “الأخلاق هي ما أقرره أنا”.
النتيجة: حرب مرجعيات بلا أوليمبوس. لا توجد شرعية دولية واحدة. توجد شرعيات متقاتلة، كل واحدة تدعي الاحتكار الأخلاقي. نحن لسنا في عالم بلا مرجعية. نحن في عالم متعدد المرجعيات المتصارعة.
عودة “حالة الطبيعة” لهوبز
هوبز رسم كابوساً: عالم بلا “لفياثان”، أي بلا سلطة عليا تحتكر العنف. في هذا العالم: “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”. حرب الكل ضد الكل.
النظام العالمي السابق كان هو “اللفياثان”. شرطي العالم، قاضيه، بنكه المركزي. اليوم هذا اللفياثان منهك، منسحب، يشكك في جدوى دوره.
لذلك عادت مناطق كاملة من الكوكب إلى “حالة الطبيعة”. لا قانون دولي يُحترم، لا ردع فعّال، لا قوة محايدة تفصل بين المتقاتلين. فقط منطق القوة المجردة: من يضرب أولاً، من يملك النار أكثر. الدولة عادت ذئباً لأختها الدولة.
ثالثاً: سمات الصراع في عصر ما بين الأقطاب
حروب بلا وجه: لا أحد يريد المواجهة المباشرة بين الكبار. لذلك الحروب تدار بالوكالة، بالتقسيط، بالإنكار. حروب أبدية بلا إعلان، بلا منتصر، بلا نهاية. الاستنزاف هو الاستراتيجية.
سيادة فارغة: حدود الدولة مرسومة على الخريطة، لكن القرار السيادي مسروق. القرار قد يكون في غرف شركات، أو مقرات كيانات مسلحة، أو مجالس إدارة شبكات مالية. الدولة صارت واجهة قانونية لسلطة لا تملكها. الحكم لمن يملك الكود، لا لمن يملك القصر.
الاقتصاد كسلاح مطلق: فصل الأنظمة المالية، حظر التقنية، تجويع سلاسل التوريد. هذه هي القنابل الجديدة. المفارقة: كل ضربة اقتصادية تسرّع ولادة نظام اقتصادي موازٍ لا يخضع للمركز القديم. العصا التي تضرب بها، تصنع بها عدوك الجديد. أنت لا تدمره، أنت تجبره على الاختراع.
حرب السرديات: المعركة الحقيقية على “من يملك تعريف الواقع”. الحدث الواحد له اسمان، ضحيتان. من يسيطر على القصة يسيطر على الشرعية. ومن يسيطر على الشرعية يجنّد العقول والجيوش. في هذا العصر، الشاعر أخطر من الجنرال.
رابعاً: ثلاثة مصائر سياسية للعالم
التاريخ لا يسير في خط مستقيم. هو يتأرجح بين ثلاثة احتمالات كبرى:
*المصير الأول: لفياثان جديد – توازن الرعب*
يعود الاستقطاب الحاد بين كتلتين. عالم منقسم لكن مستقر بقوة الردع المتبادل. لا سلام، لكن لا حرب شاملة. إدارة للفوضى عبر الخوف.
المصير الثاني: القرون الوسطى الجديدة – الإقطاع المعولم
ينهار مفهوم “العالم”. يتفتت إلى إقطاعيات: إقطاعيات تقنية تحكمها شركات، إقطاعيات أمنية تحكمها ميليشيات، إقطاعيات مالية تحكمها شبكات. دول بالاسم، أمراء حرب بالفعل. تقنية القرن الحادي والعشرين بأخلاق القرن العاشر.
الفيلسوف الحاكم: فريدريك نيتشه. إرادات قوة تتصارع بلا سماء.
المصير الثالث: العقد الاجتماعي الكوكبي – كانط يعود مضطراً
الكوارث العابرة للسيادة لا تعترف بالحدود ولا بالأيديولوجيا: تغير مناخي يغرق المدن، ذكاء اصطناعي خارج السيطرة يهدد البشرية، أوبئة تجتاح القارات، انهيار بيئي يضرب سلاسل الغذاء. هذه الكوارث لا تهزمها الدبابة ولا تردعها العقوبات.
هنا تولد الضرورة من رحم الخطر. المتصارعون يُجبرون على الجلوس إلى طاولة واحدة، ليس بدافع الأخلاق ولا حب السلام، بل بدافع الغريزة الأقوى: غريزة البقاء.
العالم يُجبر على اختراع “عقد اجتماعي عالمي” جديد. عقد لا يقوم على تصدير القيم، بل على إدارة الفناء المشترك. قواعد دنيا للتعايش، لا لأننا نحب بعضنا، بل لأننا لا نريد أن نموت معاً.
الفيلسوف الحاكم: إيمانويل كانط.
“السلام الدائم” هنا ليس يوتوبيا أخلاقية، بل ضرورة وجودية. الكوكب نفسه يفرض دستوره: إما أن نتفق على قواعد الحد الأدنى، أو ننقرض معاً.
هذا المصير لا يولد من انتصار أحد. يولد من هزيمة الجميع أمام عدو لا يفاوض: الطبيعة، والتقنية، والزمن.
————————————-
أستاذة جامعية وكاتبة.