التوتر بين ترامب ونتنياهو.. ماذا يكشف؟

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم: العميد منذر الأيوبي*

بصرف النظر عن ثخانة السلك الضوئي الآمن، وتطور سخونته مع المدى الوقتي للإتصال على وحدة الثواني، فإن أهمية المكالمة الهاتفية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا تكمن في حدة العبارات او استطالة العتب، بل في ما عكسته من تباين دقيق، علةُ سوءِ تقدير الأخير لأولوية المصالح الحيوية للولايات المتحدة.. اذ ان الفرع من الأصل ولا فصل بينهما..
.
منذ عملية طوفان الأقصى في السابع من اكتوبر 2023 وما تلاها من تصعيد ومتغيرات ميدانية على مستوى الاقليم، بدا واضحًا أن الولايات المتحدة وإسرائيل متفقتان على العناوين والأهداف العامة القائمة على رؤية جيوسياسية تعتمد مصطلح (الشرق الأوسط الجديد) ببعديه الاقتصادي- التطبيعي و الأمني- الاستراتيجي. دون ان يعني ذلك بالضرورة تطابقا في المسالك والوسائل، أو التوافق الكامل على حدود استخدام القوة وهوامش المناورة بصنفيها الديبلوماسي والعسكري.

ثم ان المؤشرات الاستراتيجية المتوافرة حاليًا توحي بأن الإدارة الأميركية تنظر إلى الراهن المرحلي كفرصة سانحة لإعادة تثبيت توازنات إقليمية جديدة ورسم خرائط نفوذ مستقرة. من هذا المنطلق، فإن أي توسع إضافي لمسرح المعركة، سيما على الساحة اللبنانية، يُنظر إليه كعامل تقويض مباشر لإستقرار تسعى اليه على حسن نية، او هيمنة ترغب في إستثمارها أحاديآ سياسيًا واقتصاديًا. لكنها تدرك تمامًا أن فتح جبهة حرب واسعة وغير منضبطة سيؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود الصراع المباشر، وقد تفرض معادلات وديناميكيات دولية وإقليمية جديدة.

في المقابل، القيادة الإسرائيلية، تحت وطأة حساباتها الوجودية الكيانية والسياسية الداخلية، أكثر تركيزًا على اعتبارات الردع المطلق. فيما تنطلق المؤسسة الأمنية من فرضية عدائية توسعية مفادها أن التهديدات إن لم تُعالج بشكل حاسم وجذري ستعود للظهور بشكل أعنف في المستقبل. بالتالي فإن استمرار الضغط العسكري يعتبر ضرورة أمنية حتمية وليس مجرد خيار سياسي قابل للمساومة.

هذا الاختلاف في المقاربة ليس سابقة في تاريخ العلاقات الأميركية – الإسرائيلية؛ فقد شهدت العقود الماضية محطات عديدة تباينت فيها تقديرات الطرفين بشأن إدارة الأزمات الإقليمية، دون أن يمس ذلك جوهر التحالف الاستراتيجي والالتزام العضوي بينهما.

غير أن العامل الأكثر حسمًا في المشهد الحالي يتعلق بإيران. فالولايات المتحدة رغم كل الضربات التي أنزلتها حريصة في آن على منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة ومفتوحة، تشمل أطرافًا متعددة وتؤثر بشكل مباشر على مصالحها الحيوية وأسواق الطاقة. أما إسرائيل – نتنياهو فترفض أية ترتيبات لا تتضمن معالجة جذرية وفعالة للتهديد الإيراني وقدراته وحلفائه.

إزاء ما تقدم؛ يكون السؤال الأساسي ليس ما إذا كان ترامب ونتنياهو قد اختلفا خلال اتصال هاتفي عاصف، بل ما إذا كانت واشنطن بدأت فعليًا رسم “سقف سياسي وعسكري” لحلفائها في المنطقة، واضعة خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها.

إذا كانت الإجابة نعم، فإن ما جرى لا يمثل حادثة عابرة أو سحابة صيف دبلوماسية، بل مؤشرًا على تدشين مرحلة جديدة ومختلفة تمامًا من إدارة الأزمات في الشرق الأوسط، تقبض فيها واشنطن على مكابح القرار.

أما إذا بقي الخلاف ضمن إطار التباين التكتيكي المعتاد، فستعود العلاقة بين الطرفين إلى مسارها التقليدي القائم على المناورة واحتواء الاختلاف دون تغييرات جوهرية.

بالمقابل وفي كلا الإجابتين، لا يغيب عن الأذهان العبارة الشهيرة للرئيس جورج بوش الأب : “أنا رجل واحد صغير مقابل ألف لوبي في الكابيتول.” ذلك اثر توتر كبير في العلاقة مع رئيس وزراء الكيان آنذاك إسحاق شامير …

اخيرآ؛ في السياسة الدولية، لا تُقاس معالجة الأحداث والتفاهمات بما يُعلن أمام الكاميرات أو ما يُسرب لوسائل الإعلام، بل بالقرارات الاستراتيجية التي تُتَخذ. ولنا في قادم الأسابيع الجواب الحقيقي والمؤشر الأدق على حدود السقف الأميركي ومدى قدرة تل أبيب على المناورة تحته..

————————————-

*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الامنية والاستراتيجية