هوامش على دفتر الحرب (٣)
خاص – “الدنيا نيوز”
النزوح…قصص ومشاهدات
لم أختبر تجربة النزوح لأنني أسكن في منطقة تعتبر آمنة نسبيا.لكنني عاينت عن قرب وسمعت قصصا ولمست مشاعر أشخاص عبّروا عمّا يعانوه وسمعت وجهات نظر مختلفة لعلّ من يقرأها في هذه الهوامش تصله بأسلوب بسيط.
النزوح الثاني كان في شهر رمضان المبارك.لك أن تتخيّل عزيزي القارئ مائدتي الإفطار والسحور خلال عشرين يوما أو أقل في منزل يحتوي أكثر من خمسة وثلاثين فردا.المشهد ببساطة كما أخبرتني صديقة:طفل قد يسكب العصير أو الحساء،آخر يصرخ لأنهم لم يسكبوا له طبقا،الكل حائر والبعض يخجل وقد ينتهي الإفطار وينهض أحدهم جائعا ناهيك عن توضيب المائدة والتنظيف و”الخناقات” التي أدّت إلى خلافات بين أفراد العائلة الواحدة.
أكتب على الهامش:في هذه الحرب،رأينا كثيرا “صلة الرحم” تبكي في الزاوية.كنا نمشي في الطرقات عصرا للترويح عن أنفسنا،فتتناهى إلى مسامعنا صرخات البعض وشتائمهم لأنه ببساطة لا يمتلك الجميع خاصة ممن تركوا مناطقهم وبيوتهم البال الطويل والقدرة على التحمّل.في حالة الحرب،تسوء طباع العديد من الأشخاص وتصبح عبارات مثل:”الله يهدي بالكن”،”انشالله بترجعوا قريبا”،”بتهون” كما لو كانت شتيمة ويبادرونك بالقول:”اللي قاعد ببيتو ومش مهجر ما ينظّر علينا”…
وعلى الهامش أيضا لا ألوم من يخاف فقدان بيته ورزقه.كنت أتابع ردّة فعل الأصدقاء أو الأقارب في كل مرة يصل تهديدا لمدينتهم أو قريتهم.ليس سهلا أن تجلس أمام التلفاز لمتابعة غارة ربما استهدفت بنايتك أو منزلك أو مصدر رزقك.الجميع يقف شامخا أمام عدسات الكاميرات ويدلي بتصريحات إعلامية تتسّم بالوعي والنضج والشموخ خاصة أن المتربصّين من الصحافة الصفراء أو المأجورة كثر.لكنهم في الخفاء يبكون ويتألمون ولديّ على الهامش لاحقا العديد من حكايات البيوت المدمّرة وماذا كانت تعني لأصحابها.
من القصص أيضا بعض الإسهامات المضيئة:أصحاب القلوب البيضاء والجميلة الذين قدموا بيوتهم مجانا للنازحين. أن تكون خارج لبنان وتقدم منزلك بكامل أثاثه لعائلة نازحة فليست مسألة عابرة.منزلك يعني خزانتك وأغراضك وأسرارك وجميع التفاصيل المتعلقة بك تفردها أمام غرباء لتشعر أنه يجب أن تقدّم شيئا ولو عن بعد.وأعرف صديقة أيضا قدّمت خلال الحرب الماضية بيتا كانت تؤجره لطلبة الجامعة وتستفيد منه،قدّمته لعائلة نازحة مجانا. “الكل لازم يتحمّل بعضو” عبارة سمعناها كثيرا لكن ليس سهلا لمن يمتلكون عادات مختلفة وربما طقوس مغايرة عنك مهما كانت صلة القرابة بينك وبينهم أن يحافظوا على هدوئهم خاصة كلما طالت فترة الحرب.
(على الهامش غدا:عندما تصبح البيوت ذكرى)
———————————————-
رئيسة القسم الثقافي في موقع “اخبار الدنيا”.