من سلسلة مكتبات عبر التاريخ … مكتبة الإسكندرية …صرح المعرفة الذي لا يموت (1)
خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم : دانيا يوسف*
نبحر اليوم إلى مدينة الإسكندرية العريقة، لنروي قصة واحدة من أعظم المكتبات في تاريخ الإنسانية: مكتبة الإسكندرية القديمة. كانت مكتبة الإسكندرية أكثر من مجرد مبنى يضم كتبا؛ كانت منارة للعلم، وملتقى للعقول، ورمزا لازدهار الحضارة. لكن هذه المنارة، كغيرها من صروح المعرفة، لم تسلم من عاديات الزمن ونيران الصراعات. فما هي قصة هذه المكتبة العظيمة؟ وكيف نشأت؟ وما هي أهميتها التي جعلتها خالدة في الذاكرة الإنسانية؟ والأهم من ذلك، ما هي النكبات التي ألمت بها، وكيف أدت إلى زوالها؟
النشأة والتأسيس:
تعتبر مكتبة الإسكندرية الملكية، أو كما عُرفت بالمكتبة العظمى، أول مكتبة حكومية عامة في التاريخ، وأكبر مكتبات عصرها بلا منازع. يختلف المؤرخون حول الشخص الذي وضع حجر الأساس لهذه المؤسسة الفكرية العملاقة. فبعضهم ينسب الفضل إلى الإسكندر الأكبر نفسه، الذي يُقال إنه وضع فكرتها ضمن تخطيطه الشامل لمدينة الإسكندرية التي بناها. بينما يرى آخرون أن الفضل يعود إلى خلفائه من البطالمة، وتحديدا بطليموس الأول سوتر، أو ابنه بطليموس الثاني فيلادلفوس، في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد، أي حوالي 285 إلى 247 قبل الميلاد. الرأي الأرجح، والذي يجمع بين هذه الروايات، هو أن بطليموس الأول هو من أمر بتأسيس المكتبة وتنظيمها على نفقته الخاصة، إيمانا منه بأهمية العلم والمعرفة في بناء الدولة والحضارة. ثم جاء خلفه بطليموس الثاني ليكمل هذا المشروع الطموح، ويوسع المكتبة ويضيف إليها ملحقات جديدة، لتصبح صرحا لا مثيل له في العالم القديم. وقد كان لديمتريوس الفاليري اليوناني دور محوري في هذه العملية، حيث قام بجمع النواة الأولى لمكتبة الإسكندرية، وكان مستشارا لبطليموس الأول ومنظما للمكتبة، واضعا تخطيطا معماريا وموضوعيا يهدف إلى أن تكون المكتبة معبرة عن رصيد الفكر اليوناني وعلوم العصر.
الأهمية والمكانة:
لم تكن مكتبة الإسكندرية مجرد مستودع للكتب، بل كانت مركزا حيويا للبحث العلمي، وملتقى للعلماء والمفكرين من جميع أنحاء العالم. احتوت المكتبة على عدد هائل من الكتب والمخطوطات، يقدر بـ 700 ألف مجلد، وهو رقم مذهل بمعايير ذلك العصر. هذه المجموعة الضخمة لم تقتصر على أعمال الفلاسفة اليونانيين العظام مثل هوميروس وأرسطو فحسب، بل شملت أيضا كنوزا من علوم الحضارتين الفرعونية والإغريقية. ما ميز مكتبة الإسكندرية وجعلها فريدة من نوعها هو دورها في المزج العلمي والثقافي والفكري بين الشرق والغرب. كانت نموذجا مبكرا لما يمكن أن نطلق عليه اليوم “العولمة الثقافية القديمة”، التي أنتجت الحضارة الهلنستية، حيث تزاوجت فيها الثقافتان الفرعونية والإغريقية. كانت أهمية المكتبة تكمن أيضا في سياستها الفريدة التي فرضت على كل عالم يدرس بها أن يودع نسخة من مؤلفاته. هذا الإجراء ساهم في إثراء مجموعتها بشكل مستمر، وجعلها مرجعا لا غنى عنه للباحثين. كما أن موقعها في الإسكندرية، التي كانت معقلا للعلم والبردي في مصر، سهل عليها جمع ما كان في مكتبات المعابد المصرية القديمة، وما حوته من علم مدينة أون، مركز العلم المصري القديم. والأهم من ذلك، أن علماءها كانوا يتميزون بالتحرر من القيود السياسية والدينية والعرقية، فالعلم فيها كان من أجل البشرية جمعاء، والعالم الزائر أو الدارس بها لم يكن يُسأل إلا عن علمه، لا عن دينه أو قوميته. هذا الانفتاح الفكري جعلها قبلة للعلماء من مختلف الخلفيات، ومركزا للإبداع والابتكار في مجالات الفلك، والرياضيات، والطب، والجغرافيا، والفلسفة، وغيرها.
حريق المكتبة وتدميرها:
على الرغم من عظمتها ومكانتها، لم تسلم مكتبة الإسكندرية من ويلات الحروب والصراعات التي عصفت بالمنطقة. تعرضت المكتبة للعديد من الحرائق والأضرار على مر العصور، مما أدى في النهاية إلى زوالها. وتتعدد الروايات حول الأسباب الحقيقية لتدميرها، وتختلف الآراء حول المسؤول عن هذه الكارثة الثقافية. إحدى أشهر هذه الروايات تعود إلى عام 48 قبل الميلاد، خلال حصار يوليوس قيصر للإسكندرية. يُعتقد أن قيصر، في محاولة منه لفك الحصار الذي فرضه عليه بطليموس الصغير، شقيق كليوباترا، قام بحرق 101 سفينة كانت راسية على شاطئ البحر المتوسط أمام المكتبة. وامتدت نيران هذه السفن إلى المكتبة، مما أدى إلى تدمير جزء كبير منها، أو ربما تدميرها بالكامل، وفقا لبعض المؤرخين. هذه الرواية تلقي باللوم على الصراعات السياسية والعسكرية التي لم تراعِ قيمة هذا الصرح العلمي. في عام 391 ميلادي، لحقت بالمكتبة أضرار فادحة أخرى عندما أمر الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس الأول بتدمير المعابد الوثنية، والتي كانت المكتبة جزءا منها أو مرتبطة بها. هذا القرار، الذي جاء في سياق الصراع الديني بين الوثنية والمسيحية، أدى إلى تدمير العديد من كنوز المعرفة التي كانت محفوظة في المكتبة. أما الرواية الثالثة، والأكثر إثارة للجدل، فتتعلق بالفتح الإسلامي لمصر في عام 640 ميلادي. يطرح بعض المؤرخين نظرية مفادها أن المكتبة صمدت حتى هذا العام، وأنها دمرت تماما إبان فترة حكم عمرو بن العاص لمصر، بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب. وتزعم هذه الرواية أن عمر بن الخطاب أمر بحرق الكتب بحجة أنها إما توافق القرآن فلا حاجة لها، أو تخالفه فيجب حرقها. إلا أن هذه الرواية قد دحضها العديد من المؤرخين المعاصرين، مثل جوستاف لوبون، الذين ينفون أي صلة للمسلمين وعمرو بن العاص في حريق المكتبة، ويصفون هذا الاتهام بالخرافة التي لا تستند إلى أدلة تاريخية قوية. بل إن بعضهم يشير إلى أن المكتبة كانت قد تعرضت للتدمير بالفعل قبل الفتح الإسلامي بفترة طويلة، وأن ما تبقى منها كان مجرد بقايا. بغض النظر عن الرواية الدقيقة لتدميرها، فإن الحقيقة المؤلمة هي أن مكتبة الإسكندرية القديمة، بكل ما حوته من كنوز معرفية، قد زالت. كان زوالها خسارة فادحة للبشرية، فقد ضاعت معها آلاف المخطوطات والكتب التي كانت تمثل خلاصة الفكر الإنساني لقرون طويلة.
البعث من جديد:
لم تمت فكرة مكتبة الإسكندرية بموت المكتبة القديمة. فبعد قرون طويلة من غياب منارة الإسكندرية الفكرية، بدأت الأصوات تتعالى لإحياء هذا الصرح العظيم. جاءت فكرة إعادة بناء مكتبة الإسكندرية القديمة في السبعينيات من القرن الماضي، واتخذت خطوات واقعية في أواخر الثمانينيات، بدعم من الحكومة المصرية ومنظمة اليونسكو والعديد من الدول والمؤسسات الدولية. توجت هذه الجهود بإصدار قرار بتأسيس الهيئة العامة لمكتبة الإسكندرية الجديدة، التي أعيد بناؤها وافتتحت في عام 2002. لم تكن المكتبة الجديدة مجرد مبنى يضم كتبا، بل صممت لتكون مركزا ثقافيا عالميا، وجسرا يربط بين تاريخ المدينة القديم والحديث، ورمزا لتجدد الفكر والمعرفة في العصر الحديث. تضم المكتبة الجديدة اليوم ملايين الكتب، والمخطوطات الرقمية، والمتاحف، والقاعات الفنية، والمراكز البحثية، لتواصل رسالة المكتبة القديمة في نشر العلم والمعرفة، وخدمة البشرية.
————————————
اعلامية، رئيسة القسم الثقافي في موقع “الدنيا نيوز”