حين تستيقظ الأوطان في ضمائر أبنائها…

 

خاص -” اخبار الدنيا”

 

 

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*

ما السياسةُ إلا مرآةٌ لضميرِ الأمم. إن صَفَت، استقامَ ظلُّها على الأرضِ عدلاً ورخاءً، وإن تكدَّرت، انكسرتْ صورتُها فصارتْ أشلاءَ حقٍّ مهدورٍ وحلمٍ مبتور. وما استقامتْ أمةٌ إلا إذا نظرتْ في هذه المرآةِ فرأتْ وجهها الحقيقي، بلا مساحيقَ تزيِّن القبحَ ولا أقنعةٍ تُخفي الجراح.

 

في البدءِ كان الوعي

 

يولدُ الإنسانُ حرّاً، تُرضعهُ أمُّهُ الحليبَ وتُرضعهُ الأرضُ الانتماء. لكنّهُ سرعانَ ما يجدُ نفسَهُ أسيرَ سؤالٍ كبير: من يرسمُ حدودَ حريتي؟ ومن يملكُ حقَّ تقريرِ مصيري؟

هنا تبدأُ السياسة، لا في قاعاتِ البرلماناتِ المذهَّبة، ولا في مواثيقَ تُكتبُ بحبرٍ وتُمحى بدمع، بل في ارتعاشةِ الجائعِ أمامَ رغيفٍ قرّرتْ سعرَهُ يدٌ لا يراها، وفي دمعةِ أمٍّ تسألُ عن دواءٍ صارَ حلماً لأنّ موازنةً ما قدّمتِ الحجرَ على البشر، وفي حيرةِ شابٍّ يحملُ شهادتهُ كمن يحملُ صكَّ عجز.

الوعيُ السياسيُّ ليس ترفَ مثقفين يتبارونَ في الصالونات، بل هو فريضةُ وجودٍ على كلِّ من يتنفّسُ هواءَ وطن. هو أن تدركَ أنَّ صمتكَ قرار، وأنَّ حيادكَ انحياز، وأنَّ انكفاءكَ على ذاتك هو تصويتٌ سريٌّ للعبث. هو أن ترى الخيطَ الرفيعَ الذي يربطُ بين قرارٍ يُوقَّعُ في عاصمةٍ بعيدة، وبين دفءِ بيتكَ أو بردِه، بين ضحكةِ طفلكَ أو انكساره، بين كرامةِ شيخٍ أو إذلاله.

الأوطانُ لا تُبنى بالشعارات ولا تُحمى بالأناشيد

كم من أمةٍ سكرتْ بخمرةِ الكلامِ فاستفاقتْ على خراب! الشعاراتُ البرّاقةُ إن لم تسندها مؤسساتٌ عادلة، وقوانينُ تُطبَّقُ على القويِّ قبل الضعيف، والفاسدِ قبل الشريف، صارتْ أفيوناً تُخدَّرُ به الشعوبُ لتُسلَبَ وهي تُصفّق.

الوطنُ الحقيقيُّ لا يُقاسُ باتساعِ رقعتهِ على الخارطة، بل بعمقِ عدلهِ في القلوب. لا يُوزنُ بثرواتهِ الدفينةِ في باطنِ الأرض، بل بكرامةِ إنسانهِ المصانةِ فوقها. ما قيمةُ ناطحاتِ السحابِ إذا كانَ ساكنو الأكواخِ لا يجدونَ ظلاً؟ وما جدوى الجيوشِ الجرّارةِ إذا كانَ الخوفُ يسكنُ عيونَ الناسِ لا عيونَ أعدائهم؟

إنَّ أخطرَ ما يُبتلى به وطنٌ أن يظنَّ أبناؤهُ أنَّ السياسةَ شأنُ غيرهم، وأنَّ “أهلَ الحلِّ والعقد” كائناتٌ من كوكبٍ آخر. حينها تُترَكُ السفينةُ لربّانٍ لا يخشى الغرقَ ما دامَ في مقصورةٍ وثيرَة، ويُتركُ المصيرُ لريحٍ لا تسألُ عن شراعٍ مزّقته. والتاريخُ يخبرنا بلسانٍ فصيح: ما سقطتْ حضارةٌ إلا حينَ نامَ حرّاسُها على أسوارِ اللامبالاة، وما استُعبدَ شعبٌ إلا حينَ سلّمَ مفاتيحَ وعيهِ طواعيةً لمن باعهُ الوهمَ واشترى صمته.

بين الحاكمِ والمحكوم: عهدٌ لا وصاية

 

العلاقةُ بين الحاكمِ والمحكوم ليست علاقةَ سيّدٍ وعبد، ولا راعٍ وقطيع، بل هي عقدُ وكالة. الحاكمُ وكيلٌ مؤتمن، والمحكومُ أصيلٌ يُحاسِب. فإذا انقلبَ الوكيلُ سيداً، واستحالَ الأصيلُ تابعاً، ضاعَ العقدُ وضاعَ الوطن.

الحريةُ ليست منحةً تُستجدى، بل حقٌّ يُنتزعُ بالوعي. والعدلُ ليس صدقةً تُرمى للفقراء، بل أساسٌ يُبنى عليه البنيانُ كلّه. والأممُ التي قدّستْ حكامها أكثرَ من مبادئها، وجدتْ نفسها يوماً تعبدُ أصناماً وتأكلُ الموتَ جوعاً.

 

ميثاقُ اليقظة

فلنعقدْ ميثاقاً مع أنفسنا قبلَ أن نعقدهُ مع غيرنا: أن لا نكونَ وقوداً لمعاركَ لا نعرفُ أهدافها، ولا أرقاماً باهتةً في بياناتِ نصرٍ زائفٍ يُتلى على جثثِ أحلامنا. أن نسألَ “لماذا؟” قبلَ أن نهتف، وأن نفهمَ “كيف؟” قبلَ أن نتبع، وأن نملكَ شجاعةَ “لا” في وجهِ كلِّ باطلٍ تزيّنَ بثوبِ الحق.

فالأوطانُ لا تحيا بالدموعِ التي تُذرَفُ على أطلالها في المناسبات، بل بالعرقِ الذي يُبذَلُ في بنائها كلَّ صباح، وبالعقلِ الذي يحرسُ بوصلتها من أن تزيغَ في عاصفةِ الدعاية، وبالضميرِ الذي يأبى أن يساومَ على كرامتهِ ولو بكنوزِ الأرض.

إنَّ أعظمَ ثورةٍ ليست تلكَ التي تُغيِّرُ وجهَ الحاكِم، بل تلكَ التي تُوقِظُ عقلَ المحكوم. فإذا استيقظَ الضميرُ، استقامتِ السياسة، وإذا استقامتِ السياسة، نهضَ الوطن، وصارَ الحلمُ المبتورُ جناحينِ يُحلّقان.