من يرسم النظام الأمني الجديد في لبنان…؟
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم: العميد منذر الأيوبي*
من يرسم النظام الأمني الجديد في لبنان والمنطقة..؟ وهل يدخل البلد مرحلة إقليمية تختلف عن كل ما عرفه خلال العقود الماضية..؟ وهل أصبح البلد نقطة تقاطع ساخنة للرباعي الولايات المتحدة وإيران.. تركيا وإسرائيل، فيما تحاول سوريا استعادة دورها من بوابة الدولة..؟ في الواقع ان خيطآ استراتيجيآ يربط كل هذه التساؤلات وأجوبتها..!
لم يكن تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن الأمن القومي التركي يشمل بيروت مجرد عبارة عابرة في خطاب سياسي، بل إشارة إلى أن أنقرة باتت تنظر إلى لبنان ضمن فضائها الاستراتيجي، مثلما تنظر إلى سوريا والعراق وشرق المتوسط. فالدول لا توسع تعريف أمنها القومي إلا عندما ترى أن مصالحها الحيوية أصبحت تتجاوز حدودها الجغرافية، وأن أي خلل في محيطها قد ينعكس مباشرة على أمنها الداخلي.
لكن هل يعني ذلك أن سوريا ستتحول بوابة النفوذ التركي نحو لبنان..؟
الجواب أكثر تعقيدًا من أن يُختصر بنعم أو لا. فسوريا، مهما بلغت درجة تقاطعها مع أنقرة، تبقى دولة لها مصالحها وحساباتها، وتسعى إلى استعادة دورها الإقليمي وقرارها المستقل. إلا أن الجغرافيا السياسية تجعل من الصعب فصل المسارين السوري واللبناني، ما يمنح تركيا هامشًا أوسع للحركة كلما تعزز نفوذها في دمشق، سواء عبر الاقتصاد أو التعاون الأمني أو العلاقات السياسية.
ولعل زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس، بما حملته من دلالات تتجاوز البروتوكول التقليدي، تستحق التوقف عندها في هذا السياق. فالزيارة إلى مدينة بما لها من رمزية تاريخية وجيوسياسية، لطالما شكلت بوابة التفاعل السوري – اللبناني، وفي توقيت يتزامن مع اتساع الحضور التركي في الملف السوري، تطرح أكثر من علامة استفهام.
هل أرادت دمشق توجيه رسالة بأنها عائدة إلى الساحة اللبنانية من بوابة الدولة هذه المرة..؟ أم أن التحرك يندرج ضمن مشهد إقليمي أوسع تتقاطع فيه المصالح السورية والتركية في بعض الملفات، من دون أن يعني بالضرورة تطابقها..؟ قد لا تكون أهمية الحدث في الزيارة نفسها، بقدر ما تكمن في توقيتها وتزامنها مع أحداث أخرى تبدو منفصلة، فيما قد تكشف مجتمعة ملامح مشهد إقليمي جديد.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى لبنان بوصفه الحلقة الأضعف والأكثر التصاقًا بأمنها القومي. فمنذ سنوات بنت استراتيجيتها على منع تشكل أي تهديد عسكري على حدودها الشمالية في ظل قواعد ردع متبادلة سادت مر سنوات؛ وهي تدرك أن أي لاعب إقليمي جديد يحاول التأثير حاليآ في التوازنات اللبنانية سيصبح جزءًا من حساباتها الأمنية. من هذه المنطلقات قد لا يكون التنافس المقبل مواجهة عسكرية مباشرة بين أنقرة وتل أبيب، بقدر ما سيكون سباقًا على التأثير في شكل النظام الأمني والسياسي الذي سيتكون في لبنان خلال السنوات المقبلة.
غير أن هذا المشهد لا يكتمل من دون التوقف عند البُعد الإيراني. فإذا كان التفاهم الجاري بين واشنطن وطهران قد فتح بابًا لإعادة تنظيم العلاقة بين الطرفين، فإن أحد أبرز أسئلته يتمثل في انعكاساته على ساحات النفوذ الإقليمي، وفي مقدمتها لبنان. إذ لا تبدو إيران في وارد الانسحاب من المشهد اللبناني، بقدر ما قد تعيد إدارة حضورها بما ينسجم مع أولوياتها الجديدة. فيما تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت ترتيبات أمنية أكثر استقرارًا. في المقابل، تحاول إسرائيل ضمان ألا تتحول هذه التفاهمات (إسلام آباد- واشنطن) إلى قيد على حركتها العسكرية، أو إلى فرصة تمنح خصومها وقتًا لإعادة التموضع، الأمر الذي يفسر استمرار العدوان بتمادّ وتَغَول هائل. مع تشدد في مقاربة الملف اللبناني.
في هذا السياق، يمكن فهم الجدل المتصاعد حول اتفاق الإطار المطروح في واشنطن. فالخلاف لا يبدو محصورًا في مضمون وَرَد أو أولويات سَنَد، بل يمتد إلى سؤال أعمق هل هو إطار سلام ام صك استسلام.؟ ومن يملك حق تفسير الاتفاق، وكيف سيُنفذ، ولصالح أي رؤية أمنية. ففي العلاقات الدولية، كثيرًا ما تتحول الصياغات المرنة او التي يشوبها الغموض او السرية إلى ساحات صراع بحد ذاتها، إذ يحاول كل طرف فرض القراءة التي تخدم مصالحه الاستراتيجية.
ثم أن إسرائيل تستفيد من هذا الغموض وهي صانعته، سواء لاختبار تماسك الموقف اللبناني، أو لزيادة الضغوط السياسية، أو لدفع مسار الترتيبات الأمنية بالاتجاه الذي يخدم رؤيتها. كما قد يكون مقصودآ مدروسآ هدف امتصاص نقمة داخلية في شارعها؛ بالتوازي إشعال فتنة أهليّة على الساحة اللبنانية او تسهيل إملاءات، على أن تُحسم التفاصيل لاحقًا عند مرحلة التنفيذ. وهكذا، لم يعد الخلاف يدور حول نص الاتفاق فحسب، بل حول موازين القوى التي ستحدد كيفية تطبيقه.
هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: إذا كانت إيران تعيد تموضعها، وتركيا توسع مفهوم أمنها القومي، وإسرائيل تسعى إلى تثبيت معادلتها الأمنية، وسوريا تحاول استعادة دورها الإقليمي، فأين يقف لبنان..؟ وهل يملك القدرة على الانتقال من موقع الساحة إلى موقع الدولة القادرة على إدارة توازنات هذه المرحلة..؟
إن أخطر ما قد يواجهه لبنان ليس تعدد اللاعبين الإقليميين بحد ذاته، بل أن يصبح مفهوم الأمن القومي اللبناني تابعًا لتعريفات الآخرين. فحين تعتبر أكثر من دولة أن أمنها يبدأ من بيروت، تصبح مسؤولية الدولة اللبنانية مضاعفة في تثبيت سيادتها ومنع تحويل أراضيها منصة لتصفية الحسابات أو رسم خرائط النفوذ.
في المحصلة، قد لا تكون المواجهة المقبلة حربًا بين تركيا وإسرائيل على الأرض اللبنانية، لكنها قد تكون منافسة هادئة على النفوذ، وعلى هندسة التوازنات، وعلى تحديد شكل لبنان في المرحلة المقبلة.
بين تفاهمات أميركية – إيرانية تعيد رسم الأولويات، وتصريحات تركية جدية توسع مفهوم الأمن القومي، إضافة إلى حراك سوري بتشجيع أميركي بعد تحييد دمشق أو جذبها بعيداً عن المحور الإيراني بضوء أخضر أميركي ما يعكس رغبة في استعادة دور إقليمي، وضغوط إسرائيلية وعدوانية تسعى إلى فرض معادلتها الأمنية، يقف لبنان أمام اختبار تاريخي:
هل ينجح في استعادة قراره الوطني، أم يبقى ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين..؟ وهل تنجح الدولة اللبنانية في جعل هذه التحولات فرصة لاستعادة سيادتها، أم تجد نفسها مرة جديدة أمام خرائط تُرسم خارج حدودها قبل أن تُترجم على أرضها..؟ الخطوة الاولى تفاهم وطني جامع يوحد الكلمة والموقف وبعدها تصبح كل القضايا قابلة للمعالجة..!
*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية..