خاص – “الدنيا نيوز”

منذ أن كتب مكيافيلي أميره، والأمم تعيش انفصاماً أبدياً: هناك ما هو أخلاقي، وهناك ما هو سياسي. وما هو سياسي، كما يبررون، ليس دائماً أخلاقياً. من رحم هذه الثنائية الملعونة وُلد أخطر مفاهيم السياسة على الإطلاق: “مصلحة الدولة العليا”.
ما هي هذه المصلحة العليا؟ إنها تلك العبارة السحرية التي تبرر كل شيء ولا تبرر أي شيء في آنٍ معاً. هي المفتاح الذي يفتح أبواب الخزائن المغلقة، وغرف التعذيب المظلمة، وصفقات السلاح المشبوهة.
أولاً: الفلسفة – الدولة ككائن لا يموت
تقول نظرية “مصلحة الدولة العليا” إن الدولة ليست شخصاً، بل هي كائنٌ فوق الأشخاص، كائنٌ أبدي لا يموت. وموت فردٍ أو شعبٍ أو حتى مبدأ، أهون من موت هذا الكائن.
هنا، يصبح الفرد مجرد رقم في معادلة بقاء. يصبح الصدق ترفاً، والوفاء سذاجة، والعهد وجهة نظر. فالدولة، لكي تبقى، يحق لها أن تكذب، وأن تتجسس، وأن تنقلب على حلفائها.
أليست هذه هي الفلسفة التي جعلت من السياسة مهنة قذرة في أعين الشعوب؟
ثانياً: كيف تذبح الدبلوماسية على مذبح المصلحة العليا؟
العلاقات الدبلوماسية في ظاهرها مبنية على القانون الدولي والاحترام المتبادل والمعاهدات. وفي باطنها، مبنية على مفهوم واحد: المصلحة.
كم من قوةٍ عظمى قبّلت يد عدوها صباحاً لأن مصلحتها العليا اقتضت ذلك، وصافحت قاتل أبنائها مساءً لأن أنبوب نفطٍ أو ممراً بحرياً يمر من هناك؟
المصلحة العليا هي التي تجعل القوى الكبرى حليفةً لجهةٍ تصفها بالإرهاب، ثم عدوّةً لها في العام التالي. وهي التي تجعل معاقل حقوق الإنسان المزعومة تغض الطرف عن مجازر موثقة مقابل عقد غاز أو صفقة سلاح.
الدبلوماسية إذاً ليست فنّ الصداقة، بل هي فنّ إدارة العداوات بابتسامة. والمصلحة العليا هي التي تحدد متى نبتسم ومتى نكشّر.
ولنأخذ مثالا على ذلك اتفاقيات التقسيم الاستعماري مطلع القرن الماضي مثالاً. وعدت إمبراطوريةٌ واحدةٌ العرب بدولة، ووعدت شعباً آخر بوطن على نفس الأرض، ووعدت حليفتها بنفوذ. ثلاثة وعود متناقضة، كاذبة، لا أخلاقية. لكنها كانت في حينها “مصلحة عليا للإمبراطورية”. والنتيجة؟ قرنٌ من الدم لم يجف بعد.

ثالثاً: صناعة القرار – حيث ينتحر الضمير
داخل غرف القرار المغلقة، لا يُسأل الحاكم: هل هذا عادل؟ بل يُسأل: هل هذا مفيد للدولة؟
هناك، خلف الأبواب الموصدة، يتحول القتل المستهدف إلى “عملية جراحية استباقية”، ويتحول التجسس على الشعب إلى “أمن قومي”، ويتحول التطبيع مع مجرم حرب إلى “واقعية سياسية”.
إن أخطر لحظة في عمر أي دولة، هي اللحظة التي يقتنع فيها حاكمها أن بقاءه الشخصي هو بقاء الدولة، وأن مصلحته الخاصة هي المصلحة العليا. هنا، تتحول Raison d’État من عقيدة لحماية الدولة، إلى عقيدة لحماية النظام ضد الدولة.
وهذا هو الفارق الجوهري بين الدولة العظيمة والدولة الفاشلة: الأولى تستخدم المصلحة العليا لتحمي شعبها من العالم، والثانية تستخدمها لتحمي نظامها من شعبها.
هل من أخلاق للدولة؟
فلاسفة الأنوار حاولوا ترويض هذا الوحش. قال كانط يجب أن تكون هناك أخلاق كونية فوق الدولة. وقالت مدرسة القانون الطبيعي إن هناك مبادئ لا يجوز خرقها حتى باسم المصلحة العليا.
لكن الواقع يضحك ساخراً.
سيبقى هذا المفهوم، Raison d’État، هو السكين التي تذبح بها المُثل كل يوم على مذبح الواقعية. وسيبقى السؤال الأخلاقي الأكبر الذي يُطارد كل دبلوماسي وكل حاكم: هل الدولة التي تحافظ على وجودها بخسارة روحها، تستحق البقاء حقاً؟
أم أن الدولة التي تموت وهي تدافع عن مبدأ، تكون قد انتصرت في اللحظة التي ظن الجميع أنها هُزمت؟
د. ميرنا داود