هوامش على دفتر الحرب (5)

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

 

بقلم : دانيا يوسف*

اغتيال أماكن تاريخية وأثرية

 

العدو الإسرائيلي لم يدمّر أبنية أو أماكن تعني أصحابها فحسب…ربما بيت جدي الذي كتبت عنه بالأمس يختصر مشاعر كل أصحاب المنازل وأقاربهم الذين شعروا أن ذكرياتهم وأجمل أوقاتهم دفنت مع حجارتها.لكنه تعمّد اغتيال أماكن وأبنية تاريخية وتراثية يُفترض أن تكون “محمية” بموجب الاتفاقات الدولية.لكنها تعرّضت لأسوأ أنواع الانتهاكات على مرأى ومسمع من العالم أجمع دون أي إدانات تُذكر الا من بعض المهتمين بهذا التراث الإنساني المميز.

قضى العدو الإسرائيليّ على مجمل العمارة الأثريّة والتراثيّة في القرى الحدوديّة التي يعود تاريخها إلى ما قبل 100 عام، ومنها إلى مئات السنين، على نحو ”المسجد الكبير“ في مدينة بنت جبيل البالغ أكثر من 400 عام وهدمته إسرائيل خلال الخامس عشر من نيسان الجاري، ومسجد بليدا الأثريّ في مرجعيون المعروف بمسجد ”النبي شعيب“ الذي دمرته قبل أن تجرفه في حرب 2024 على الرغم من أنّه مدرج على لوائح الجرد العام لوزارة الثقافة اللبنانيّة وعلى رغم قيمته التراثيّة والتاريخيّة كأحد أقدم مساجد منطقة جبل عامل والذي يعود تاريخه في بعض الروايات إلى ألف عام.
وكان العدو الإسرائيليّ قد استهدف في حرب الـ66 يوما وكذلك في فترة الهدنة التي بدأت بعدها في الـسابع والعشرين من تشرين الثاني 2024 واستمرّت مدّة شهرين متتاليين العديد من المواقع التراثيّة والدينيّة بأساليب مختلفة، كالتفخيخ مثلًا في مساجد: ”يارين“ و“البستان“ و“أمّ التوت“ و“يارون“ و“الظهيرة“، بين قضاءي صور وبنت جبيل. واستخدام الجرّافات في هدم مسجدي ”طير حرفا“ و“مارون الراس“.
وجرى بعد حرب 2024 توثيق تدمير 13 مسجدا وكنيستين على الأقلّ باستخدام القصف المباشر، بينها مناطق مدرجة على لائحة الأبنية التراثيّة مثل مسجد ”طيردبّا“ ومسجد ”كفرتبنيت“ وكنيسة ”دردغيّا“ ومسجد ”حيّ البياض الأثريّ“ في مدينة النبطيّة.
في الحرب الأخيرة التي بدأت في الثاني من آذار الماضي،دمّر العدو الإسرائيليّ قريتي القنطرة ودير سريان اللتان كانتا تحتويان على مبان قديمة عمرها من عمر السكّان الأوائل فيهما.
وفي السادس من آذار الماضي، شنّت إسرائيل غارة على بعد أمتار قليلة من الموقع الأثريّ في صور، أودت بحياة ثمانية أفراد من عائلة واحدة، ظنّوا أنّ وجودهم بالقرب من الموقع الأثريّ سوف يحميهم، باعتبار أنّ التراث العالميّ لا يفترض أن يتعرّض للقصف خلال الحروب والنزاعات المسلّحة.

وأدّت الغارة إلى تضرّر سطح المتحف الذي هو قيد الإنشاء وتحطّم نوافذه جرّاء عصف الصاروخ الذي أطلقته طائرة حربيّة، لكنّها لم تلحق ضررا بالمقبرة الأثريّة العائدة إلى القرنين الثاني والثالث الميلاديّين، ولا بقوس النصر الضخم والقنوات المائيّة وميدان سباق الخيل داخل الموقع، وهي آثار تشكّل شواهد على ازدهار الحقبة الرومانيّة.
ومن المعروف أنّ آثار مدينة صور جنوب لبنان مشمولة بمبادرة ”الدروع الزرقاء“ التي أطلقتها لجنة تابعة لمنظّمة الأمم المتّحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونسكو)، على أكثر من ثلاثين موقعا أثريّا في لبنان، بينها آثار صور، وضعت عليها العلامات في رسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى العدو الإسرائيليّ، إذ تُلزم اتفاقيّة لاهاي للعام 1954 الأطراف المتحاربة بحماية الملكيّة الثقافيّة في حال النزاع المسلّح.
الخيام تلك المدينة التي تعرّضت للتدمير الإسرائيليّ منذ اجتياح العام 1978، ولم تمرّ حرب بعدها إلّا ونالها نصيب هائل من التدمير، وكان أهلها يعيدون بناءها في كلّ مرّة، لكنّ ما تعرضت له من تدمير شبه كلّيّ في العام 1978 قضى على مجمل عمارتها التراثيّة ولم يبقَ منها إلّا حيزًا قليلًا لا يتجاوز تعداده أصابع اليدّ. أمّا حرب 2024 والأخيرة 2026 فدمّرتا ما يمكن تسميته بعمارة تقليديّة في أكبر مدن قضاء مرجعيون يضاف إليه عشرات القصور التي بناها أبناء الخيام بعد التحرير في أيار 2000 وبعد حرب تموز 2006.
كان اللافت في عمارة الخيام الحديثة، هذا الكمّ الهائل من القصور والدور الفخمة و“الفيلّات“ التي انتشرت في مختلف أحيائها السكنيّة، أو على تلك التخوم التي كانت بعيدة من السكن، على أنماط مستمدّة من العمارة التقليديّة اللبنانيّة المتطوّرة، والعمارة الإيطاليّة الحديثة، إلى عديد من التصاميم التي تركت جماليّتها وبصماتها في مختلف أرجاء البلدة.
تعرّضت هذه القصور الثمينة في حرب 2024 إلى تدمير واسع أتى على عديد منها وجعلها ركاما، منها دارة الحاج خليل الحاج إبراهيم آل عبدالله المبنيّة في العام 1862.
عمل في بناء الدار، معماريّون من كسروان في جبل لبنان، على هندسة العقد الحجريّ، مستخدمين الأحجار المميّزة في تشييد قناطر بالغة الدقّة والمتانة، تشكّل في تقاطرها سقوف ”الديوانيّة“ التي تقوم عليها الدار كلّها، متميّزة برحابتها واتّساعها لمئات الأشخاص، تجاورها غرف مستقلّة للضيافة.
بعد التدمير المنهجيّ الذي تعرّضت له بلدة الطيبة في مرجعيون في الحرب الأخيرة،أصيبت عينها الأثريّة ‘العين الفوقا‘، إحدى أجمل عيون عاملة ولبنان بما يشبه الإبادة. وتُظهر بنية العين الرائعة جدرانا حجريّة دائريّة وسلّمًا حجريًّا حلزونيًّا، وهي عناصر معماريّة تتقاطع مع نماذج يقال أنها تعود إلى الحقبتين الرومانيّة والبيزنطيّة.
تقع العين الفوقا في المنطقة القريبة من ساحة البلدة التي قام العدو الإسرائيليّ بتدميرها بعد تفخيخها ونسفها ثمّ تجريفها، ولا يعرف مصيرها وما نالها من عمليّة التدمير الكلّيّة هذه، إذ سبق للإسرائيليّين أن دمّروا في حرب 2024 العين التحتا التي تبعد نحو 150 مترا عن العين الفوقا، إضافة إلى تدمير عدد من البيوت التراثيّة التي تعود إلى أكثر من 100 عام فيها. ومن الطبيعيّ أن ينال التدمير الأخير من عشرات البيوت التراثيّة في الطيبة.

(في الهوامش غدا:تابع اغتيال الأماكن والمنازل)

‏——————————————-

رئيسة القسم الثقافي في موقع “اخبار الدنيا”