خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم : الدكتورة ميرنا داود*
لا تقع عين المحلل الحصيف على شفاه السياسيين، بل على أيديهم. فالتصريح الإعلامي، في جوهره، ليس حقيقةً تُنقل بل أداةً تُستخدم. هو أحياناً مسبارٌ لقياس حرارة الخصم ورفع سقف التفاوض، وأحياناً ستار دخانٍ كثيف للتمويه على حركةٍ خفية. هو مناورةٌ تكتيكية على رقعة الشطرنج، وغالباً رسالةٌ مشفّرة لا يفكك رموزها إلا من أدمن اللعبة. قد تشوّش هذه التصريحات وعي العامّة، لكنها في غرف القرار تُوزن بالميليمتر، لأنها تخدم المقدّس السياسي الأوحد: Raison d’État، أي مصلحة الدولة العليا.
من هنا، تبدأ القراءة الرصينة لا من الميكروفون، بل من النهاية. لا تسأل: ماذا قال؟ بل اسأل: ماذا يريد؟ ما مصلحة هذه الدولة؟ ما أدواتها المتاحة، وما كلفة كل مسارٍ وبدائله؟ التصريحات ليست سوى ظلالٍ باهتة، أما المصلحة فهي الجسد الصلب الذي يلقي هذا الظلّ على جدار الأحداث.
الجغرافيا قدر !!
قبل أن ينطق السياسي، تكون الخريطة قد نطقت عنه. الجبال والمضائق والمياه والجوار هي النصّ الأول الذي لا يُمحى. دولةٌ حبيسةٌ تبحث عن منفذ، وأخرى على مفترق طرقٍ تُبتزّ من كل عابر. النفط حيث هو، لا حيث نريد. هذا القدر الجغرافي يصنع نصف القرار قبل أن يجتمع مجلس الوزراء. لذلك، من يقرأ السياسة دون أن يفتح الأطلس، كمن يقرأ روايةً وقد مزّق فصلها الأول.

لكن أخطر ما يفتك بالعدالة الدولية هو وقودها الدائم: ازدواجية المعايير. المأساة الكبرى، على الصعيد الدولي كما على الصعيد الفردي، تكمن في الكيل بمكيالين. مبدأٌ يُرفع هنا كرايةٍ للفضيلة، ويُداس هناك كدليلٍ على الجريمة. هذا التناقض ليس زلةً عابرة، بل هو المحرّك الأساسي لمعظم الصراعات، والمصنع الذي ينتج شرور هذا العالم.
الزمن سلاح!!
للدول ذاكرةٌ انتقائية وساعةٌ لا تشبه ساعتنا. ما تراه أنت أزمةً عاجلة، تراه هي فصلاً في كتابٍ من ألف صفحة. تصمت اليوم لتتكلم بعد عقد، وتخسر معركةً لتربح الحرب. تستثمر في النسيان كما تستثمر في السلاح. لذا، من يقرأ السياسة بيومية الصحف سيخسر دائماً أمام من يقرأها بمنطق الأجيال. فالتصريح الذي يبدو لك تناقضاً، هو في تقويم الدولة حلقةٌ في سلسلةٍ طويلة اسمها “الصبر الاستراتيجي”.

الخوف بضاعة!!
أقدم أدوات الحكم وأرخصها: اختراع عدو. الخوف يوحد الداخل، ويبرر القبضة، ويؤجل الحساب. كل سلطةٍ تُتقن نحت وحشٍ على مقاس مسرحها: أحياناً في الخارج، وأحياناً من نسيج المجتمع نفسه. الخطر الحقيقي ليس في الوحش، بل في أن يصبح وجوده مبرراً دائماً لإلغاء الأسئلة. حينها تتحول الدولة من خادمٍ للشعب إلى تاجرٍ يبيع الأمن مقابل الحرية، ثم لا يسلّم أياً منهما.
ولأن الظلم لا يأتي في هيئة وحش، بل في هيئة خطيب، فهو يتقن فنّ الفصاحة. يتسلّح بالشعارات الطنّانة، ويغلّف مصالحه القاسية بورق الأخلاق اللامع. يروّج بضاعته بين جمهورٍ أدمن استهلاك الأفكار المُعلّبة، جمهورٍ يرتاب من الشفافية ويهرب من وخز الموضوعية.
النصر سردية!!
الحروب لا تنتهي عندما تصمت المدافع، بل عندما تُكتب روايتها الأخيرة. المنتصر ليس من احتلّ الأرض، بل من احتلّ الذاكرة. من يسمّي المعركة، يسمّي المجرم والبطل. من يملك القلم بعد البندقية، يملك حقّ توزيع الأوسمة والمشانق. لذلك تُستثمر المليارات لا في الرصاصة الأولى، بل في الكلمة الأخيرة. فالتاريخ لا يكتبه الأقوى، بل يكتبه الأبقى على منصة السرد.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: الخطر ليس في الكاذب وحده. الخطر الأعظم في العقل الذي يرتضي الكذب دون مساءلة. عقلٌ متلقٍ سلبي، استقال من وظيفة التحليل والتفكيك، وألغى حاسة اختبار المنطق. مشكلتنا اليوم ليست محصورةً في مصانع الدعاية التي تزوّر الحقيقة، بل هي متجذرةٌ في العقول التي أوقفت، طوعاً، خط إنتاج الشكّ.
إن استعادة الوعي تبدأ حين ندرك أن الخارطة ليست هي التصريح، وأن البوصلة ليست هي الشعار.
البوصلة الحقيقية هي سؤالٌ واحدٌ باردٌ ومُلحّ: أين تقع المصلحة؟ ومن هناك يبدأ الفهم.
————————————-
كاتبة، واستاذة جامعية
