ملاحظات جوهرية على خطة البستاني للكهرباء: كفى مخادعة وابتزازاً للبنانيين

 

 

 

بقلم : عباس صالح*

على الرغم من الإيجابية المتمثلة بمجرد التقدم بورقة  – رؤيا في مجلس الوزراء اللبناني حول ملف الكهرباء “المكربج” منذ ولادة الجمهورية الجديدة في لبنان في العام 1990 ، والتي تمت إحالتها فوراً على لجنة وزارية أعطيت أسبوعاً واحداً لدرسها والعودة لاقرارها على وجه السرعة الفائقة في الحكومة، باعتبار ان أي تأخير سيكبد الخزينة اللبنانية بضعة ملايين إضافية تضاف الى قائمة طويلة من عشرات مليارات الدولارات التي أُنفقت حتى الآن على مؤسسة الكهرباء، وهي مبالغ تكفي حقاً لانشاء محطات كهروذرية من شأنها إضاءة الكون بقاراته الخمسة من دون مبالغة.
ولكن ما حدث في مجلس الوزراء، قبل يومين، على هذا الصعيد يستدعي التوقف عند مجموعة من الملاحظات الجوهرية، والتي لا يجب ان تُمرّر على طريقة السلق، بحجة أن الامور لم تعد تحتمل التأجيل، وبأن أي تمديد اضافي سيكبد الخزينة مبالغ إضافية، علماً انها بمثابة أزمة الأزمات التي لم تجد حلاً منذ اكثر من نحو 40 عاماً، رغم كل المحاولات الجدية وغير الجدية التي بُذلت في هذا الإطار.
الملاحظة الاولى التي يمكن تسجيلها في هذا السياق هي أن وزيرة الطاقة ندى بستاني هي التي تواكب هذا الملف منذ عملت مع الوزير جبران باسيل في وزارة الطاقة قبل نحو عشر سنوات وهي التي هندست وواكبت خطة باسيل في حينه والمعروفة ب”lebanon off- lebanon on ” والتي وعدت بإضاءة لبنان كله من دون تقنين مع بلوغ العام 2015 اذا ما تم اقرار الخطة التي طلب باسيل يومها من مجلس الوزراء ان يوافق له على صرف 200 مليون دولار لتنفيذها، والكل يتذكر انه استنكف يومها هو وفريقه السياسي ومعهم الحلفاء ورفعوا السقوف السياسية الى ان خضعت الحكومة وصرفت له المبلغ المطلوب لاضاءة لبنان مع دخول العام 2015 لكن أحوال الكهرباء ساءت عملياً أكثر فأكثر منذ حينه واحترقت الاموال ومعها اوراق الخطة!.
الملاحظة الثانية ان الوزيرة بستاني التي بقيت في الوزارة تهندس خططاً مماثلة وتواكبها حتى في عهد سيزار ابي خليل الذي تمخض بعد طول انتظار عن استئجار البواخر التركية، لسد العجز الناجم عن ترهل بعض معامل الانتاج الارضية. وهي أيضاً التي واكبت طويلاً عمليات الابتزاز المعلنة التي خضعت لها الحكومات المتعاقبة منذ حينه، والقائمة على حصر الخيارات بين الموافقة الحكومية على الصرف بمبالغ تفوق الخيال مقابل القليل جداً من ساعات التغذية بالتيار أو العتمة الدائمة! وهو ما كبَّد اللبنانيين المليارات من الدولارات من خزينتهم العامة، كما كلفهم الكثير من العذاب والتعب والقرف والاشمئزاز وصولاً الى اليأس، وحدا ببعضهم الى الرحيل!.
والملاحظة الثالثة تكمن في أن الوزيرة بستاني تنتقل اليوم من الاعتماد على خزينة الدولة العامة في تمويل خطتها “التحفة” الى جيوب اللبنانيين مباشرة، حيث تقدم رؤيتها الجديدة بالاعتماد على رفع التسعيرة الكهربائية على المواطن من خلال رفع قيمة الفاتورة علما ان سعر الكيلووات / ساعة الحالي في لبنان هو الاغلى بين كل دول المنطقة، ومن دون ان تلتزم صراحة بإقران رفع قيمة الفاتورة على المواطن بتزويده بكهرباء دائمة تقيه شر المولدات الخاصة والمصادر الاخرى!.
والملاحظة الرابعة، ان البستاني تعمدت في سياق التعمية، التي تعود عليها المسؤولين في لبنان، ان توحي للمواطنين بأنها ستخفض فاتورة الكهرباء الاجمالية عليهم، وكأن كهرباء الاشتراك هي القدر المحتوم الذي بات على اللبناني ان يتغذى بالتيار عبره او ان يستبدله بكهرباء حكومية توازيه ثمناً! وبالتالي فإنها بقرارها هذا تكون قد ألزمت كل المواطنين بدفع فاتورة كهربائية نارية، متناسية ومتجاهلة لحقيقة ان حوالى ال 50 بالمئة من اللبنانيين لم يشتركوا يوماً بالمولدات الكهربائية، لقلة حيلتهم في إزاء جشع اصحابها .. بل ان اكثريتهم يكتفي بتخزين الطاقة في البطاريات عبر تقنية ال “UPS” وبعضهم الاخر يلجأ لمصادر اخرى كالطاقة من الشمس والهواء، وبعضهم ما يزال ينتظر وصول التيار على ضوء الشموع وغيرها !.
باختصار، هذا التذاكي المتجدد، بعد الكثير من الخطط المتتالية التي تؤكد بالملموس أننا ما زلنا نجرب في المجرَّب بفعل النكايات، وما زال البعض يمارس ابتزازه علينا ويستخف بعقولنا، علماً ان لديهم الكثير ليفعلوه في هذا السياق لو أرادوا فعلاً، ومن دون ان يحملوا المكلفين اي قرش اضافي، سنفصلها في مقال لاحق.
__________

*صحافي