“لبنان” هل بدأت رحلة الخروج من اتفاق الطائف

 

بقلم : نمر أبي ديب*

بالرغم من كارثية المشهد العام وتأثير الأزمة الإقتصادية على الوضعين النقدي والمعيشي تخوض القوى اللبنانية مجتمعة معركة صياغة واقعها السياسي من جديد على قاعدة الأستثمار المُربِح في مسار الإنتقال الساخن من مرحلة سياسية إلى أخرى مُستَجَدِّة لم تتلائم مع موازينها الداخلية أو حتى معاييرها الإستراتيجية أتفاقية الطائف التي دخلت بشكل تدريجي بعد مرحلة 2005 و”الحلف الرباعي” حالة من النوم السريري أفضت في حينه إلى إنهاء سياسي لمعادلة السين سين واليوم إلى فصل في الأدوار تحاول المملكة العربية السعودية من خلال ورقة بهاء الحريري إضافته على المشهد اللبناني الذي دخل بمكوناته الداخلية ” الشعبية السياسية وحتى الحزبية ” مرحلة متقدمة من المواجهة الداخلية القائمة في الأساس على محورين.
– مكافحة الفساد في بُعدَيها ” إسقاط الطبقة السياسية وإسترجاع المال العام” العناوين التي تمحورت حولها العديد من المواد الخلافية المُكَرِسة داخلياً لمبدأ التصادم الأصلاحي بين القوى الشعبية من جهة والطبقة السياسية الحاكمة من جهة ثانية.
-الهوية السياسية للدولة التي تُمَثِل على المستوى اللبناني جوهر الخلاف السياسي وأساس الإختلاف الإستراتيجي في المقاربات السياسة والحاضنة الإقليمية وحتى الدولية لكلا المحورين إنطلاقاً من تاريخية الإنقسام العامودي في لبنان مروراً بواقعية “التسوية” ودورها المُكَمِل في الحياة السياسية وصياغة المراحل، وصولاً إلى المادة السياسية الداخلية وحتى الإقليمية والدولية المساهمة بشكل مباشر في ولادة نظام سياسي جديد للبنان قائم على موازين داخلية جديدة ومعايير مختلفة خلفاً “لإتفاق الطائف” كما هو الحال اليوم مع حكم الأقوياء الصيغة التي يتمحور حولها الجزء الأكبر من المعركة السياسية الدائرة حالياً في لبنان والتي كانت بدأت ملامحها العملية في الظهور مع قيام التسوية الرئاسية بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل ووصول العماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة الأولى.

أنطلاقاً من غياب التوازن السياسي في المشهد اللبناني وضبابية الموقف الإقليمي تخوض القوى اللبنانية كافة معاركها السياسية على قاعدة ” إدارة الأزمات في الوقت الراهن وتجميع النقاط ” لمراحل مقبلة ستكون أساسية لا بل مفصلية في إستحقاقاتها الدستورية وعناوينها السياسية، ما يجري اليوم على الساحة الداخلية جزء لا يتجزأ من معركة رئاسية مستمرة يُفتَرَض أن تُحَدِد على أساسها القوى الداخلية مجتمعة سياسة لبنان الخارجية وإنتمائاته الإقليمية، هي معركة أثبات الوجود في المعادلة الداخلية وفي الوقت نفسه معركة تثبيت الهوية السياسية للدولة التي سَتُعَبِر عنها بشكل واضح وصريح شخصية الرئيس المقبل والموازين الداخلية والإقليمية التي سمحت في إنتخابه، بالتالي هل تستطيع القوى اللبنانية اليوم على إختلاف مكوناتها الداخلية وإنقساماتها الفئوية وحتى الحزبية من تثبيت هوية لبنان السياسية وتحقيق إنتصار رئاسي واضح في مرحلة يحكمها الإنهيار الإقتصادي الداخلي والعجزين الإقليمي والعالمي؟

بمعزل عن تطورات المنطقة والساحة اللبنانية خصوصاً، شكلت مقاطعة رئيس تيار المردة سليمان فرنجية للقاء بعبدا التشاوري مادة سياسية جديدة بالرغم من كونها متوقعة في مسار الخلاف المستمر مع التيار الوطني الحر فقد أكدت خطوة المقاطعة على إستراتيجية الخلاف المستمر مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وتَصَدُّر المعركة الرئاسية المُقبِلة أولوية الحسابات السياسية لرئيس المردة الذي قَدَّم على مستوى التعاطي السياسي وخيار المواجهة منذ المفاوضات الحكومية مع الرئيس حسان دياب حتى اليوم ممارسة سياسية أكثر حزماً ومواقف غير قابلة للمساومة أو حتى ” للحلول الوسطى ” وهنا يَجدُر التساؤل عن توقيت هذا التَحَوُّل وتأثيره المباشر على وحدة الصف الداخلي لفريق 8 آذار في المعركة الرئاسية المقبلة؟ بالتالي ماذا عن تعدد الخيارات ضمن الفريق الواحد وبالتحديد 8 آذار؟ وهل تكون تسوية ” الرئيس الوسطي ” الخيار الأنسب للقوى الفاعلة على الساحة اللبنانية وقدراً محتوماً للقوى الملحقة ولأحزاب الصغيرة؟

إنطلاقاً من ما تقدم تُدرك القوى السياسية جيداً وجودية المرحلة الحالية وتأثيرها المباشر في الحياة السياسية اللبنانية كما يُدرك الجميع حجم التحديات التي يواجِهُهَا الموقف السياسي الداخلي سواء على مستوى التشاور اللبناني مع البنك الدولي أم على مستوى الزعامة السنية الأولى وما يمكن أن يُرَتِبَه بيان السيد ” بهاء الحريري ” على الساحة الداخلية عموماً والسنية خصوصاً من مقدمة عملية لحضور سياسي جديد مُرفَق بقرار مواجهة مع محور المقاومة وتحديداً “حزب الله” إنطلاقاً من عناوين وطروحات حتماً ستكون مختلفة ومؤسسة لمرحلة سياسية جديدة ذات تأثير مباشر على مختلف الأستحقاقات القادمة ومن بينها رئاسة الجمهورية.

ليست المرة الأولى وطبعاً لن تكون الأخيرة التي تتحكم فيها الظروف السياسية والمستجدات الداخلية والإقليمية في إستحقاقات لبنان الأساسية وتحديداً “الرئاسة الأولى” التي تخوض على أساسها القوى السياسية مُجتمعة معركة رسم التوازنات الداخلية وإعادة تموضعها السياسي من جديد على وقع المستجدات الداخلية والتحولات الكبيرة التي عصفت وما زالت بالساحتين اللبنانية والعالمية إقتصادياً صحياً وحتى سياسياً، بالتالي هل دخل لبنان اليوم مرحلة الخروج الفعلي من إتفاق الطائف؟ هل بتنا قاب قوسين أو أدني من قيام نظام سياسي جديد مرتبط بمؤتمر تأسيسي تفرضه النتائج المترتبة سياسياً وأمنياً على هذه المرحلة؟

يقف لبنان اليوم بمكوناته الداخلية ومقوماته الوجودية على مفترق طرق ينظر بعين العجز السياسي إلى خيارين لا ثالث لهما إما التَفَكُك والذوبان في متاهات الأزمات المُقبلة سياسياً أمنياً ومعيشياً، أو الولادة السياسية من جديد والإنبعاث ك”طائر الفينيق” بإرادة حياة وقرار إستمرارية ( حمى الله لبنان ).

———————

* كاتب سياسي