خصوصية الخوزقة

 

 

بقلم : د. محمد إقبال حرب

الزمن، أحجية يتنافس العلماء على حلها. فيومك قد يساوي قرونا في حساب بعض المخلوقات، ولا يساوي عمرك أكثر من دقائق عند مخلوقات أخرى. ما كان لهذا الحديث من داع لو لم تحدث المعجزة التي نقلتنا من فئة زمنية إلى فئة أخرى خلال وقت قصير. لقد أصبحت أيامنا دهرًا، وسعادتنا قهرًا وفضائلنا أينعت عهرًا.
بدأت الحكاية في السابع عشر من تشرين الأول من سنة ٢٠١٧ حيث انتفض الشعب، شبابا وشيبانا، زرافاتًا ووحدانا في سبيل التخلص من الأوبئة الاجتماعية والسياسية وانتشال بقايا حياة من عالم طغى عليه الفساد. فساد استفحل وانتشر كجائحة لا تبقي ولا تذر.
كنت هناك ذاك اليوم كقطعة فسيفساء في لوحة وطنية شملت أبناء الوطن من أطياف الطوائف والجامعات والمهن على قلب واحد يعشق الوطن والانسان والحرية. جماهير رفضت الطائفية والعنصرية والفساد. أصرت على البقاء حتى تستعيد إنسانيتها رافضة الهجرة والهروب.
مع بريق الانتفاضة/الثورة في حراكها المستمر تسللت إلى جسدها جراثيم السلطان. كما تسلل لصوص الفساد عبر أقنية السفارات وروافد أرباب الفساد وحقنوا الجماهير بسموم أفاعي الصل التي تنزفها كيانات سياسية، مخابراتية، طائفية ونفعية.
توقفت ساعة الزمن، واعيد ترتيب جدول وجودنا في خانة أخرى من خانات الزمن. تزاحم الزعماء بأطيافهم السياسية والطائفية بتضييق فسحة الحياة قدر الامكان دون جدوى فاستعانوا بسيد الفناء، المصرف المركزي الذي تعاون مع أرباب المال فصادر أموال صغار المودعين باجراءات قانونية قديمة ومستحدثة. وفتح أبواب تهريب المال إلى بلاد الواق واق. استلذ الحكام وزبانيتهم بهذه الأبواب القانونية في تشريع مسروقاتهم التي خرجت بسلاسة بعيدًا عن القضاء وحراس الوطن.
تغير الزمن بانتظار لقمة العيش، واستحالت النصف ساعة التي يحتاجها المواطن للحصول على راتبه الى أسابيع خسر خلالها كرامته بحثًا عما يسكت أفواهًا جائعة تنتظره.
تغير الزمن وباتت كل المتطلبات الحياتية رهن انتظار الفرج المتبخر على نار الغلاء.
تلاشت مدخرات الناس تحت وطأة الدولار وابتسامة حاكم المصرف الذي خرج بها مرات ومرات على الناس متشدقًا “الليرة بألف خير”.
تنفس الناس بقايا هواء نتن واصروا على استمراريتهم في وطن طارد. تلاشى أبناء الحراك مع وصول مندوب الأوبئة السامي كوفيد التاسع عشر كما تلاشت قدرة الناس الشرائية فسقط الشرفاء في مستنقع الفقر والعوز.
ابتسم الحاكم وأعوانه ولم يقدموا من المساعدات إلا وعودًا واهية كاذبة كما كان دأبهم مذ جلسوا على كرسي الكذب والخداع.
وحدث الانفجار الأكبر، فسقطت مدينة في بركان الدمار والفساد.سقط وطن مزّقه الصدع، جرفته الارتجاجات وابتسامة الزعماء لم تتغير وهم يطالبون بحصصهم من المساعدات التي صادروا محتوياتها بكل وقاحة. حتى حفنة الشاي لم تسلم من جلسات المطالبة بالحصص.
وسقطت دورة الزمن، تباطأ الوقت فعاش المواطن قرونًا من العذاب في سنة واحدة. وكأن اللعنة قد أصابت جميع المواطنين الذين لم يشتكوا قط رغم كل “الخوازيق” التي أنعم بها الزعماء الذين أصبحت ألقابهم انعكاسًا لنوعية خوازيقهم . براعة الحكام في لبنان تفتقت عن مقدرتهم في توفير خازوق خاص لكل مواطن حتى ينعم بخصوصية الخوزقة بعد تعديلها، إذ ليست كل الخوازيق متساوية رغم أنها مستوردة لصالح الزعماء وكلاء شركات خوازيق الخارج. فالخازوق الأميركي يختلف عن الايراني والفرنسي والروسي، والخازوق الخليجي يتمتع بمواصفات متعددة بعدد الدول المشاركة في سباق الاستحواذ على لبنان ولو مدمّرًا. خوازيق مستوردة من اميركا والعدو الصهيوني كقطع متفرقة تم تجميعها على أرض عربية لتتناسب مع جهة تصديرها.
ويبقى عامل الزمن الذي جعل أيامنا سنوات، وتأوهاتنا نكبات، جعل معاناتنا جحيمًا خالدًا ننعم من خلاله بشجر الزقوم، الى يوم لم يفصح عنه عالم الابراج ولم تفصح عنه المصادر المقربة من أرباب الطوائف الذين أقسموا ان لا يتزحزحوا عن كراسيهم حتى ولو أصبح البلد ركامًا فوق أجساد ناحلة تتقيأ الأمل وتنزف عصارة المجاعة موتًا بطيئًا…