الشقيف… ذلك الجبل الذي بات لعنة تلاحق جيلين من الاسرائيليين أب يبكي ابنة وإبن يبكي على ابيه

 

برزت أصوات إسرائيلية تنتقد عملية السيطرة مجددا على قلعة الشقيف، وترى في هذا المشهد استعادة مؤلمة لواحد من أكثر فصول الحرب في لبنان كلفة وإثارة للانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي.

ولعل المقال الذي نشرته صحيفة “يديعوت احرونوت” العبرية للكاتبة حن أرتسي سرور هو الاكثر تعبيرا عن الغضب الذي ينتاب الطبقات المختلفة داخل الكيان بشأن ما تعتبره القيادة السياسية انجازاً عسكرياً، حيث رأت الكاتبة في مقالها ان استعادة الشقيف لم تثر مشاعر الفخر بقدر ما أعادت إلى الواجهة ذاكرة الحرب الطويلة في لبنان وما رافقها من خسائر بشرية وأسئلة لم تجد أجوبة حتى اليوم.

وتذكر الكاتبة في مقالها بقصة نوعا هرنيك، شقيقة الضابط الإسرائيلي جوني هرنيك، قائد دورية غولاني الذي قُتل في معركة الشقيف الشهيرة في 6 حزيران 1982. وتروي كيف استيقظت صباح الاثنين على سيل من الرسائل، بينها رسالة من ابن شقيقها الذي يشارك حالياً في القتال، أرسل لها صورة خبر يتحدث عن السيطرة على الشقيف وكتب: “الآن أستطيع أن أخبركم أنني هنا، وأعدكم أنني فكرت بكم كثيراً”.

وتقول الكاتبة إن رد خالته كان بسيطاً ومؤلماً في آن واحد: “احمِ نفسك… ليتنا لم نكن مضطرين إلى فعل ذلك مرة بعد أخرى”.

وترى أن عبارة “مرة بعد أخرى” تختصر جانباً كبيراً من التجربة الإسرائيلية في لبنان، حيث يعود الجنود إلى الجبهات نفسها والرموز نفسها والحكايات نفسها من دون أفق واضح”.

وتشير إلى أن “السيطرة الجديدة على الشقيف تحولت خلال الأيام الماضية إلى احتفال إعلامي واسع، رافقته بيانات للجيش الإسرائيلي ومراسم عسكرية وتصريحات لوزراء وأعضاء كنيست اعتبروا القلعة رمزاً وطنياً”.

كما تستعرض تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي قال: “الليلة سيطر مقاتلونا الأبطال على موقع الشقيف. لقد رفعوا هناك بفخر علم إسرائيل وعلم لواء غولاني. قبل 44 عاماً كان هذا المكان رمزاً لمعركة بطولية، لكنه كان أيضاً رمزاً لخلاف عميق بيننا. اليوم عدنا إلى الشقيف بشكل مختلف. عدنا موحدين وأقوياء وأكثر تصميماً من أي وقت مضى”.

إلا أن الكاتبة ترى أن هذه الرواية لا تقنع كثيرين داخل إسرائيل، معتبرة أن نتنياهو يحاول استخدام الشقيف لإعادة تسويق المعركة المتعثرة في الشمال وخلق حالة من الفخر الوطني، متجاهلاً أن معركة 1982 كانت بداية 18 عاماً من التورط الإسرائيلي في “المستنقع اللبناني”، وهو المسار الذي أدى إلى مقتل مئات الجنود.

وتضيف أن الحديث عن العودة إلى الشقيف “بشكل مختلف” لا ينسجم مع الواقع الإسرائيلي الحالي، حيث لا يزال المجتمع منقسماً بشدة حول الحرب وأهدافها وطريقة إدارتها وإرسال الجنود إلى مناطق يعتبر كثيرون أن جدواها موضع شك.

وترى الكاتبة أن الرمزية أصبحت اليوم العنصر الأهم في الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي، بحيث يجري استبدال مواجهة الحقائق الصعبة بشعارات من قبيل “النصر المطلق” أو “حرب النهضة”، فيما يجري تقديم مواقع ارتبطت في الذاكرة الإسرائيلية بالفشل والخسائر على أنها نماذج للبطولة والانتصار.

وتلفت إلى أن اسم الشقيف لا يزال يثير مشاعر ثقيلة لدى أجيال كاملة من الإسرائيليين، وأنه ارتبط لعقود بالخسائر البشرية والمعاناة أكثر مما ارتبط بالانتصارات.

وتستعيد في هذا السياق التقرير الشهير الذي نشره الكاتب رون ليشيم عام 2001 تحت عنوان “جبل اللعنة”، والذي تحول لاحقاً إلى الرواية الشهيرة “إذا كان هناك جنة” ثم إلى فيلم “بوفور” الذي رُشح لجائزة الأوسكار.

وتقول إن تلك الأعمال الثلاثة شكلت رواية واحدة عن جنود وجدوا أنفسهم عالقين في الحزام الأمني داخل لبنان من دون أن يعرفوا كيف أو لماذا، وإنها عبرت عن تجربة “جيل لبنان” بأكمله.

وتتوقف عند أحد أشهر مشاهد الفيلم، عندما يقول قائد الموقع لأحد الجنود: “حتى أولادك سيكونون هنا”، في إشارة إلى استمرار الحرب جيلاً بعد جيل. وتعتبر أن المشهد لم يكن نبوءة بقدر ما كان قراءة واقعية لما قد يحدث لاحقاً.

وتشير إلى أن ابن شقيق جوني هرنيك يقف اليوم على الأرض نفسها التي قُتل عليها عمه قبل 44 عاماً، في صورة تجسد استمرار الحلقة نفسها.

وترى الكاتبة أن الحديث عن الشقيف يجب أن يبقى في إطار الإنجاز العسكري التكتيكي لا أكثر، معتبرة أنه قد يكون ضرورة أمنية لحماية الجنود والمستوطنات الشمالية، لكنه لا يرقى إلى مستوى الإنجاز الاستراتيجي الذي يحاول بعض السياسيين تصويره.

وتضيف أن الظروف الحالية أكثر تعقيداً بكثير مما كانت عليه خلال ثمانينيات القرن الماضي، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي ينتشر اليوم في أكثر من جبهة في وقت يعاني فيه من نقص يقدَّر بنحو 10 آلاف مقاتل، بينما تخضع تحركاته لقيود أميركية ويواجه صعوبة في تحقيق اختراق سياسي مع الحكومة اللبنانية.

وتؤكد أن “لا ذرة من الرومانسية” في العودة إلى لبنان، ولا “أي نشوة” في استعادة موقع مثل الشقيف.

وفي ختام مقالها، تستحضر الكاتبة أغنية “الآباء والأبناء” للمغني الإسرائيلي أفيتار بناي، والتي تحولت إلى رمز للثمن الإنساني للحروب، قبل أن تربطها بمقتل الطبيب العسكري الإسرائيلي أوري سيلفستر، البالغ من العمر 30 عاماً، الذي قُتل الاثنين في جنوب لبنان وأصبح الجندي الـ15 الذي يلقى حتفه منذ إعلان وقف إطلاق النار.

وتختم بكلمات تختصر مضمون المقال كله: “أب يبكي على ابنه… وابن يبكي على أبيه”، في إشارة إلى دورة الخسائر التي ترى أنها ما زالت تتكرر على الأرض اللبنانية منذ عقود.