اختراع الأبطال والشهداء :صدام والقذافي نموذجاً


بقلم : توفيق شومان
أكثر من ستة أصدقاء عراقيين ، إثنان منهم كانوا في كلية الفنون بجامعة بغداد ، رووا لي ، كل على حدة ، أنهم كانوا يشاهدون بأمهات أعينهم ، كيف كانت الطالبات العراقيات يهربن إلى الحمامات ويسجن أنفسهن في داخلها ، حتى لا تقع عينا عدي صدام حسين أو شقيقه قصي ، على إحداهن ، حين كان يخطر على بال عدي أو قصي زيارة إحدى الكليات الجامعية في العراق .
هذا نموذج لطريقة الحكم التي كانت سائدة في العراق قبل العام 2003 ، حيث استباحة البشر والأرض والسياسة والإقتصاد والأمن والقضاء شكلت قاعدة للتسلط والبطش ، بما فيها استباحة النساء والتعاطي معهن كإماء وجواري يحق للسلطان وإبن السلطان ” وضع يده ” على أية واحدة منهن .
كان لصدام حسين سبعون قصرا في أنحاء العراق ، وكان يحلو لأتباعه تسميتها ب ” قصور الشعب ” ، وفيما كان ” الشعب ” لا يحصل على قوت يومه ، وإلى حدود أن آلاف العراقيين كان يبيع الواحد منهم إحدى كليتيه ، ليحصل على قوت شهره أو نصف شهره ، فإن الصورة الشهيرة لعدي صدام حسين ، وهو يتمايل ضاحكا ومقهقها وفي فمه سيجار كوبي طويل ، تختصر مشهد بؤس الشعب ومشهد الحاكم بإسم الشعب .
لم يقتصر نموذج الحكم في العراق خلال عهد صدام حسين ، على مصادرة النساء والغذاء ، ولا السياسة والأمن والثروة ، بل تجاوزها إلى قضاء استحضره من شريعة حمورابي ، فأباح قطع لسان من يعارضه إو أذن من يعترضه ، كأنه بتلك الأحكام كان يقول للعراقيين : لا تتكلموا ولا تسمعوا .
ذاك السلطان ، الذي إسمه صدام حسين ، أوحت له بنات أفكاره أن يطرق باب عالم الأدب والرواية والشعر ، فعظماء العراق الأدباء والروائيون والشعراء ، من مثل نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ومحمد مهدي الجواهري وسعدي يوسف ومظفر النواب وجواد الأسدي وغيرهم ، ليسوا أعظم حالا من حاله ، ولا عقولهم أعظم من عقله ، ولذلك كتب صدام حسين روايات ” زبيبة والملك ” و ” القلعة الحصينة ” و “إخرج منها يا ملعون ” و “الأميرة والنهر”.
روايات صدام حسين ، روايات ليست كالروايات ، إذ انها لا تمت إلى عالم الرواية بصلة ، تماما مثلما هي روايات صدام حسين في النضال والمقاومة ، وهذه بعض من رواياته في النضال والجهاد :
حاول صدام حسين مد الجسور مع اسرائيل بين الأعوام 1994 – 1995 قبل مقتل اسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ، اعتمادا على وساطة احدى الدول المغاربية ومن خلال سفيرها في الأمم المتحدة ، غير ان الرؤية الأميركية التي كانت سائدة آنذاك ادت الى لجم التقارب الإسرائيلي – العراقي باعتباره مسألة اميركية صرفة.
وحول هذه النقطة بالذات (صدام حسين وإسرائيل) ، يقول المدير الأسبق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، الجنرال ابراهام تامير، انه اجتمع مرارا مع أربعة من القادة العراقيين من بينهم سعدون حمادي وطارق عزيز، عام 1988، وتقول الدكتورة عوفرة في تقرير لها بثه التلفزيون الإسرائيلي في 12 – 8 – 1994 : ” في العام 1980 تحدث عدد من الناطقين بلسان العراق ، في عواصم أوروبية وفي الأمم المتحدة ، عن رغبة العراق في إقامة السلام مع اسرائيل “، وبحسب عوفرة ، الخبيرة الإسرائيلية في الشؤون العراقية، فإن صدام حسين، تحدث بهذا الشأن مع أعضاء من الكونغرس الأميركي ، وفي اليوم نفسه بث التلفزيون الإسرائيلي برنامجا عن العراق، بعدما كان ارسل فريقا اعلاميا إسرائيليا الى بغداد برئاسة ايهود يعري.


ما كان يجرى في تلك الفترة، عرف ب ” ديبلوماسية الملح ” التي عنت ان صدام حسين كان يســعى لفتح قنوات اتصال مع تل ابيب تحــت ستار سد حاجة العراق من الملح باستيراده من اسرائيل.
وبالعودة الى أوراق تلك المرحلة ، فالوقائع تشير الى :
ـ استنادا الى صحيفة ” الحياة ” في 23 – 8 – 1994 ” ان مصادر ديبلوماسية في العاصمة الأردنية عمان، أكدت ان ممثلين عراقيين، اجتمعوا مع نظرائهم الإسرائيليين في تموز / يوليو 1994، واللقاء فشل في نقل المحادثات الى مستويات رسمية بسبب الإسرائيليين ، وفي تصريح لإسحق رابين، ورد “ان العراق حاول الإتصال بإسرائيل في الأمم المتحدة “.
ـ ذكرت صحيفة ” صانداي تايمز ” البريطانية في 18 – 9 – 1994، ان اسرائيل والعراق يجريان محادثات في المغرب سعيا لإتفاق سلام ، وأن طارق عزيز التقى الوزيرين الإسرائيليين بنيامين بن أليعازر وموشي شاحال ، وهذه اللقاءات بدأت قبل عام ، عندما أرسل طارق عزيز الى السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة جاد يعقوبي، رسالة يقول فيها : ” إن صدام حسين لم يعد يعتبر اسرائيل عدوا “.
ـ بتاريخ 9 – 8 – 1994 أوردت صحيفة ” ستاندارد ” النمساوية معلومات مفادها ” ان مسؤولاً عراقيا رفيعا ، أجرى محادثات مع مسؤولين اسرائيليين في إحدى العواصم الأوروبية “.
ـ بتاريخ 12 – 8 – 1994، أشار التلفزيون الإسرائيلي، الى ان تل ابيب تلقت رسالة من وزير الخارجية العراقية طارق عزيز عبر سفيرها في الأمم المتحدة جاد يعقوبي .
إن نزعة صدام حسين ، نحو فتح أبواب الإتصال مع اسرائيل، والرغبة بإبرام اتفاق سلام معها ، تسبق على ما يظهر التاريخ الذي حددته الخبيرة الإسرائيلية عوفرة ، ففي حوار أجراه الكاتب الصحافي الكبير طلال سلمان رئيس تحرير صحيفة ” السفير” اللبنانية مع صدام حسين ، لحساب مجلة ” الصياد ” اللبنانية في عام 1969، بعد أشهر قليلة من وصول حزب ” البعث ” العراقي الى السلطة ، وأعادت صحيفة ” السفير” نشره في 1 – 3 – 2003، يقول صدام حسين، نائب رئيس الجمهورية آنذاك : ” نحن لسنا ضد الحل السلمي… نحن العرب دعاة مثل هذا الحل … ولو توفر حل ارتضيناه …”.
ماذا يعني قول صدام حسين لطلال سلمان ؟
يعني ذلك أنه منذ لحظة وصول صدام حسين إلى صناعة القرار السياسي العراقي في عام 1968، لم تشكل اسرائيل تحديا صراعيا في أنماط تفكيره ، ولعل العودة إلى ما كتبه وزراء وسياسيون عراقيون كبارعن تلك الحقبة ، ما يفيد ويغني عن الإطالة والإسهاب :
ـ في العام 1971 سحب صدام حسين القوات العراقية المرابطة في الأردن وقطع الدعم المالي عن منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات ،على ما يقول جواد هاشم وزير التخطيط العراقي آنذاك ، في كتابه : “مذكرات وزير عراقي ” ـ دار المدى ـ بغداد 2017 ـ ص : 246 ، وهذا ما يتلاقى مع ما ورد في كتاب سيف الدين الدوري ” حردان التكريتي ضحية الغدر والخيانة ” ص : 26ـ171.
ـ وعلى ما يقول وزير الخارجية العراقية الأسبق طالب شبيب في كتابه ” ذاكرة طالب شبيب ” أنه في حرب العام 1973 ، وجد العسكريون العراقيون أنفسهم بلا ناقلات دبابات ولا أية وسائط سريعة ومتطورة تمكنهم من الإنتقال لمواجهة عدوان اسرائيل ضد سوريا ومصر ونصرة الشعب الفلسطيني ، (ص: 92).
تلك هي روايات صدام حسين في السلطة والسياسة ، وفي الأمن والقضاء ، وفي الأدب والنضال .
طبعا : إن الذين جاؤوا بعد صدام حسين ، زادوا في خراب العراق ، وفشلوا في إخراجه من سموم الطائفية ، و من غياهب القتل ومن عتمة الفقر ومن ظلام التقسيم القابع عليه منذ عقود ، وبعضهم ـ بل أكثرهم ـ لا مبتغى لديه ولا غاية ، سوى عبادة المال وإخراجه من العراق وإيداعه في مصارف الخارج .
مع ذلك : لا يجوز تحويل الطاغية شهيدا والقاتل مقاوما ، رأفة ـ أو شفقة ـ بما تبقى من ضمير .

————–

-القسم الأول:صدام حسين -القسم الثاني :معمر القذافي.

……………………..