خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم : دانيا يوسف*
تخيلوا معي هذه الصورة… غرفة مظلمة، ينبعث منها وهج شاشة كمبيوتر، وشباب أو مراهقون غارقين تماماً في عالم افتراضي. أيديهم على لوحة المفاتيح، وعيونهم شاخصة إلى الأحداث التي تتكشف أمامهم. إنهم يقاتلون، يبنون حضارات، يتخذون قرارات مصيرية… إنها مجرد لعبة، أليس كذلك؟
نتحدث عن عالم تستطيعون فيه اتخاذ القرارات، ورؤية نتائجها فوراً، والاندماج بشكل كامل في قصة تتكشف أمام أعينكم. هذا هو عالم الألعاب الإلكترونية، وهو عالم يمتلك قوة فريدة لا تضاهيها أي وسيلة إعلامية أخرى: قوة الانغماس.
بالإضافة إلى الانغماس، هناك عنصر آخر مهم: بناء السرديات. الألعاب الحديثة تتميز بقصص معقدة وشخصيات متطورة وعوالم غنية بالتفاصيل. هذه السرديات يمكن أن تُستخدم لغرس أفكار، أو لتغيير مفاهيم، أو حتى لتبرير أفعال معينة. عندما يرى اللاعب نفسه جزءاً من هذه السردية، فإنه يميل إلى تقبل المنطق الكامن وراءها، حتى لو كان هذا المنطق يخدم مصالح جهات معينة.
لكن… ماذا لو كانت هذه “المجرد لعبة” هي في الحقيقة أكثر من ذلك بكثير؟ ماذا لو أن كل طلقة نار تسمعونها، وكل قرار تتخذونه، وكل قصة تعيشونها، قد صُممت بعناية فائقة لتشكيل الطريقة التي تفكرون بها؟
لطالما نظرنا إلى الألعاب الإلكترونية على أنها وسيلة للتسلية والترفيه، أو ربما إضاعة للوقت. لكن في هذه السلسلة، سنكشف معاً الوجه الآخر لهذه الصناعة. الوجه الذي تختبئ وراءه دول كبرى وحكومات، تضع مليارات الدولارات واستراتيجيات معقدة، ليس للترفيه عنكم… بل للتأثير عليكم.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا تهتم الدول بالألعاب الإلكترونية بهذا الشكل؟
الجواب ببساطة: لأنها أصبحت أقوى من الإعلام التقليدي. فالشاب الذي يقضي ساعات في لعبة ما، هو أكثر تقبلاً للرسائل المضمنة فيها من المشاهد الذي يشاهد نشرة إخبارية لمدة نصف ساعة. الألعاب تخلق تجربة مثيرة، تجعلك أنت البطل، أنت من يتخذ القرار. وعندما تكون البطل، فإنك تتبنى القيم والرواية التي تقدمها اللعبة دون أن تدري.
سنميز معاً بين نوعين من الألعاب. النوع الأول هو الألعاب الترفيهية التي صُممت بغرض الربح التجاري أو الفن التفاعلي البحت. والنوع الثاني، هو ألعاب التأثير، التي يكون الغرض الأساسي منها هو التلاعب بالعقول، وتشكيل الرأي العام، وترويج رواية تاريخية معينة، أو حتى تجنيد العقول.
سنتحدث عن ألعاب مولتها وزارات الدفاع، وأخرى أشرفت على محتواها أجهزة الاستخبارات، وألعاب تروج لأيديولوجيات سياسية تحت غطاء المرح والمغامرة.
ولكي لا نظلم هذه الصناعة الرائعة، يجب أن نؤكد: ليست كل الألعاب أدوات للتأثير. الكثير منها إبداع فني رائع. ولكننا هنا نسلط الضوء على الجانب المظلم، الذي غالباً ما يتم تجاهله.
لماذا هذا الموضوع مهم لنا كمتلقين؟
عندما تعرف الخطر عزيزي القارئ، تكون قد قطعت نصف الطريق نحو تجنبه. فهم هذه الآليات يحمينا ويحمي أبناءنا من أن يكونوا مجرد قطع في لعبة شطرنج كبرى، يتحكم فيها آخرون. إنه جزء من وعينا الحديث، وحصانتنا الفكرية في عالم أصبحت فيه المعلومات – والمضلل منها – سلاحاً.
عندما تنغمس في عالم افتراضي، تصبح أكثر تقبلاً للأفكار والسرديات التي يقدمها هذا العالم، حتى لو كانت هذه السرديات تحمل أجندات خفية. لنأخذ على سبيل المثال ألعاب المحاكاة أو الألعاب الاستراتيجية. هذه الألعاب تضع اللاعب في مواقف تتطلب منه اتخاذ قرارات معقدة، غالباً ما تكون ذات طابع سياسي أو عسكري أو اقتصادي. فكروا في الألعاب التي تصور الصراعات التاريخية أو المستقبلية. كيف يتم تصوير الأبطال والأعداء؟ ما هي القيم التي يتم تمجيدها؟ وما هي الأيديولوجيات التي يتم الترويج لها؟ كل هذه التفاصيل، التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد جزء من الترفيه، هي في الواقع أدوات قوية لتشكيل الوعي والتوجهات.
في المواضيع القادمة، سنبدأ في الكشف عن أمثلة حقيقية لألعاب إلكترونية تم تمويلها أو توجيهها من قبل دول، وكيف استخدمت هذه الألعاب قوة الانغماس والسرد لتمرير رسائل معينة، والتأثير على عقول الملايين حول العالم.
—————————————
اعلامية ، رئيسة القسم الثقافي في “الدنيا نيوز”