“محنة العقل في زمن القطيع الافتراضي: دونكيشوتية الوعي في مسرح الغرائز!!!”

 

خاص – “أخبار الدنيا”

بقلم : د. ميرنا داود*

في المشهد الذي تألفه الأوطان المتصدّعة، لا تكون ممارسة العقل ترفاً ذهنياً، بل محاولة انتحار موثّقة. إن شئت أن تكون عاقلاً ومسؤولاً معاً، فقد حكمت على نفسك بالنفي خارج الخريطة. لا موقع بريء من السؤال، ولا حياد ممكن في ساحة محتشدة بالغرائز.
فما أن تنطق باسم العقل، حتى تُساق قسراً إلى تهمة الخيانة: خيانة القطيع. لأن رفض الغريزة هو أول بنود العقد الذي وقّعته مع الوعي.
الهذيان فعل غريزي. الموت فعل غريزي. وما يتلو الفاجعة من أساطير وإشاعات مزيّفة هو امتداد للغريزة ذاتها. حتى حرصك على تماسك الذات وسط مجتمع الشظايا، هو غريزة أخرى، لكنها غريزة الناجين: غريزة المسؤولية.
أما الشعارات فهي أنياب الغريزة. استباحة المقدسات طقس غريزي. والانحدار نحو الانقسام لا يعود غريزة فرد، بل يصبح سلوك قطيع يلغي الفرد كي ينجو القطيع.

أمام هذا المسرح، الصمت تواطؤ، والكلام فخ. فالكلام سيجرّك إلى سجالٍ وقوده الغريزة، وقواعده تُكتب بالصراخ لا بالحجة.
فمن تحاور؟
تحاور إعلاماً صار معملاً لتقطير الغرائز، يضخّها في الشرايين على هيئة “حقيقة افتراضية”. بأي لغة تخاطبه؟ ومن أي منبر، وأنت الكائن الوحيد المتعيّن، بدمك ولحمك واسمك، في مواجهة جوقة من الأشباح؟ الشهود طيف، المذيع محرّض، والصور تتدفق من رحم الافتراض لا الواقعة.
فتجد نفسك فجأة: الاستثناء الذي يجب نفيه. الافتراضي يصبح عيانياً وصادقاً، وأنت المتعيّن الوحيد،تُصنَّف كذبة، أو وهماً، أو تُختزل في دور “الكومبارس” الذي يجمّل قبح الافتراض. حوارك معهم لا يمنحك صوتاً، بل يمنحهم شرعية. أنت تصبح الديكور الأخلاقي الذي يعلّقونه على جدار كذبهم كي يبدو حقيقياً.
نعم، هو الزمن الناقص:
يصدق فيه الكاذب، ويُكذَّب فيه الصادق، ويُؤتمن فيه الخائن، ويُخوَّن فيه الأمين، وينطق فيه التافه الذي يتكلم في أمر العامة.
في زمن اللاعقل، يصبح العقل هو النشاز. يصبح الاستثناء الذي يعاقبه القانون. وحينها، تكون مغامرة العقل أشبه بطعن طواحين الهواء: دونكيشوتية نبيلة، لكنها بلا حصان، وبلا سانشو، وبلا جمهور يصدّق أن الطواحين كانت وحوشاً يوماً ما.
العقل هنا لا يُهزم. العقل يُنفى.
———————————

* استاذة جامعية وكاتبة