خاص – “اخبار الدنيا”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*
المثقف الحقيقي لا يقاس بعدد الكتب التي قرأها، بل بعدد المرات التي وقف فيها وحيداً ضد التيار. أما “مثقفو المراحل” فهم ظاهرة أخرى تماماً: كائنات حربائية تتلون بلون المرحلة، وتبدل جلدها الفكري مع كل موسم سياسي جديد. هؤلاء لا ينتجون فكراً، بل يستوردون موضات.
اولاً . المثقف الحرباء: موضة العصر تحكم
الموضة لا تقتصر على الملابس وقصات الشعر. أخطر الموضات هي تلك التي تغزو العقول وتشكل أنماط التفكير. ومثقفو المراحل البائسة هم أول من يرتديها.
في الستينيات والسبعينيات، كانت الموضة السائدة هي الماركسية. فجأة امتلأت الساحة بمناضلين من ورق، يوزعون صكوك الثورية ويتهمون كل من يفكر خارج القالب بأنه “برجوازي متآمر” أو “عميل للطبقة الوسطى المهمشة”. كان يكفي أن ترفع كتاباً للينين حتى تُمنح لقب “مثقف عضوي”.

ثم انقلبت الموضة. جاء المد الديني في الثمانينيات والتسعينيات، فتحول الماركسيون بين ليلة وضحاها إلى راديكاليين حتى العظم. اللحية طالت، والخطاب تبدل، والتُهم الجاهزة تغيرت. من لم يكن معهم صار “علمانياً مارقاً” أو “تغريبياً فاسداً”.
وحين هبت رياح الليبرالية وحقوق الإنسان والديمقراطية بعد الألفية، خلعوا العمامة والنجمة الحمراء معاً، وارتدوا ربطة العنق. صاروا فجأة دعاة فردانية وسوق حرة، وطبلوا للعولمة كما طبلوا من قبل لأممية البروليتاريا.
ثانيا. سيكولوجيا التلون: بين الهوى والشهرة
هل هذا تطور فكري؟ ربما لدى قلة نادرة. لكن الأغلبية ساقها “الهوى” لا الوعي. هؤلاء اشتهروا لأنهم ركبوا موجة المرحلة، لا لأنهم صنعوا موجة خاصة بهم.
جوهر الأزمة أنهم لم يكونوا منتجي ثقافة أصلاً. لم يأتوا بفكرة واحدة أصيلة. جل ما يطمحون إليه هو الشهرة، والتصفيق، والبقاء في دائرة الضوء. المرحلة تمنحهم المنبر، وحين تتغير المرحلة يغيرون الخطاب كي لا يخسروا المنبر. المبدأ الوحيد الثابت لديهم هو: البقاء حيث الأضواء.
هؤلاء “اتباعيون” بامتياز. تحركهم أهواء العالم وموضته الفكرية والسياسية. يتشكلون على مقاس السائد، ويرددون ما يريده “هوى المرحلة” التي يعيشونها. لم ينتجوا فكراً، بل كانوا صدى. مقلدين محترفين.
ثالثا. المفكر الأصيل: ضد السائد وليس ضده فقط
في المقابل، المفكر الحقيقي هو الثابت الأصيل. هو من ينتج فكره الخاص أولاً، ثم يرى أين يتقاطع هذا الفكر مع التيارات السائدة وأين يختلف.
قد يقف مع الماركسية في عدائها للظلم، ويختلف معها في إنكارها للفرد. قد يقف مع الليبرالية في دفاعها عن الحرية، ويختلف معها في تقديسها للسوق. قد يقف مع التدين في بحثه عن المعنى، ويختلف معه في احتكاره للحقيقة.

المفكر الأصيل قد يؤسس لفكرة ضد التيار، لكن ليس للمناكفة والاختلاف المجاني. قد يأتي بشيء فريد لم يطرقه أحد، لأنه ينبع من تأمل ذاتي ومعاناة حقيقية مع أسئلة الوجود والمجتمع، لا من كتالوج الموضة الفكرية للموسم.
رابعا. البقاء للأصلح: لماذا يسقط المقلدون؟
التاريخ لا يرحم المقلدين. الذين أنتجوا بعضاً من الفكر المتميز هم من استمروا، لأن الأصيل يتفوق على التقليد دائماً.
انظر إلى مكتباتنا. كم اسماً من “مثقفي الموضة” صمد بعد عشرين سنة؟ سقطوا مع سقوط المرحلة التي حملتهم. بينما بقي طه حسين، والعقاد، وإدوارد سعيد.
اختلفنا معهم أو اتفقنا، لكنهم كانوا هم. لم يكونوا ظلاً لأحد.
الأزمنة البائسة تنتج مثقفيها البائسين. مثقفون بلا مشروع، بلا جذر، بلا موقف إلا موقف القطيع. يتحركون حيث تتحرك البوصلة، لا حيث يشير العقل والضمير.
المعيار الأخير بسيط: اسأل المثقف سؤالاً واحداً: ماذا أنتجت حين كنت وحدك، بعيداً عن ضجيج المرحلة؟ إن تلعثم، فاعلم أنه مجرد بوق مرحلي آخر، سيتبدل مع تبدل الموضة القادمة.
——————————————-
*استاذة جامعية، رئيسة قسم الابحاث العلمية والفكرية في موقع “الدنيا نيوز”