قولوا ما شئتم عن الاصلاح ..لكن عليكم ان تحترموا عقولنا

 

 

البروفوسور ايلي الزير*

ما جرى خلال جلسة مجلس الوزراء الاسبوع الماضي في السراي الحكومي من تمرير يشبه “التهريبة” لموضوع منح جزء الاساتذة ست درجات استثنائية، هو عمل غير ميثاقي، نظراً لاصطفاف كل الوزراء المسيحيين ضده من دون استثناء، على اختلافاتهم السياسية الجذرية، ووقوف كل الوزراء المسلمين والدروز معه من دون استثناء، وعلى رغم تناقضاتهم السياسية العميقة أيضاً.

وقبل مناقشة الجدوى والجوانب المهنية للقرار التهريبة، نود التأكيد على أن هذا القرار الحكومي هو قرار غير دستوري، نظرا الى عدم حيازته المشروعية الميثاقية في مجلس الوزراء اولاً، باعتبار انه قرار يفتقر الى اي حاضنة مسيحية وخاصة بعد ان رفضه وزراء التيار الوطني والقوات والمردة على حد سواء، وانتقده غبطة البطريرك الماروني بشارة الراعي في عظة الاحد الماضي، وبالتالي فان المضي بهذا القرار هو من قبيل الامعان في طعن الميثاق اللبناني القائم على الشراكة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين في إدارة البلاد.

ومن هنا يمكننا مناقشة بعض الجوانب التقنية لجدوى هذا القرار بالاستناد الى معايير العقل الانساني قبل اي شيء آخر لنسأل أسئلة نفترض انها بريئة، وأولها : ما الذي يدفع بحكومة بلد يُجمِع القريب والبعيد والمسؤول والمواطن والمعني وغير المعني على أن اقتصاده على شفير الافلاس بأي لحظة نتيجة السياسيات الغوغائية في الزيادات العشوائية التي مُنحت للموظفين العام الماضي على شكل مكافآت انتخابية غير مدروسة العواقب واستدعت اجراءات اقتصادية عديدة لترميم الصورة التي باتت تنذر بالسقوط الفعلي في الهاوية، وما تزال حيث ما زالت تتخبط كل الهيئات المعنية وابرزها مصرف لبنان وكل المشرفين على هندسة السياسات المالية في أزمات البحث عن مخارج من شأنها ان تبعدنا عن الكارثة الاقتصادية المحدقة بنا لا سمح الله، وبتأكيد من معظم الجهات الدولية الرسمية المعنية بالجانب المالي.

وفي إزاء ذلك، نود توجيه السؤال الثاني الى من عملوا على اقرار الدرجات الست للاساتذة مع علمهم المسبق بما يعنيه ذلك من تبعات ثقيلة ستلقى على الاقتصاد الوطني العام وعلى مالية الدولة التي تعاني من ويلات جمة.. كيف وافقتهم ضمائرهم وهم يصوتون على تحميل تلك الارقام التي تم التناقل بشأنها على انها ارقام  ضخمة فعلا ومن شأنها ان تزيد في إرهاق خزينة الدولة، في مثل هذه الظروف؟ولماذا ؟ وما هو المغزى الحقيقي من خرق السفينة التي تقلنا جميعاً.

السؤال الثالث: لنفترض ان في خزينة موازنات وزارة التربية فائضاً مالياً صخماً فعلاً ويراد صرفه بأي طريقة لكي لا يتم تدوير الاموال والميزانيات (وهذا أمر هو أشبه بالنكتة السوداء) لكن لنا ان نفترض ذلك، فأين الحكمة في منح هذه المليارات لجيوش أساتذة لا يقومون بمهامهم الوظيفية كما ينبغي بل انهم اقرب الى جيوش الموظفين العاطلين عن العمل، لتتم زيادة راتب كل استاذ منهم  بمبلغ يمكن ان يوظف إثنين او ثلاثة من الاساتذة الناجحين في مجلس الخدمة المدنية والذين لا زالوا يتنقلون من اعتصام إلى آخر على الطرقات من اجل تثبيت وظيفتهم التي حصلوا عليها بقانون المباريات، فيما يرفض المسؤولون عن تعيينهم في وظائفهم وبرواتب قليلة لا تتعدى نصف ما زيد على راتب كل استاذ بفعل منحه الدرجات الست المشار اليها. فأين الحكمة العقلانية والقانونية والاخلاقية والدينية وغيرها في منح جيوش من الاساتذة زيادات مالية خيالية على رواتبهم علما ان الكثير منهم لا يقوم بوظيفته، فيما يتم حرمان مئات الاساتذة الناجحين من الحاقهم بعملهم بمبلغ إجمالي أقل يحقق وفراً اقتصادياً على خزينة الدولة كما انه يفتح مئات البيوت الجديدة ويضخ دما جديدا في مؤسسات الدولة وينعش الدورة لاقتصادية ولو بحدود معينة.!

الاسئلة في هذا السياق طويلة وتثير العجب، والاستغراب، والقرف، وتبعث على اليأس من امكانية الاصلاح الفعلي في هذا البلد.

لذلك نناشد كل من يتحدث بالاصلاح في لبنان، قولوا ما شئتم لكن احترموا عقولنا..!!


* أخصائي في السمعيات