تحقيق ميداني

“في ربيع الماء تنبت ساعات شهية” … الصيادون والبحر علاقة العشق الازلي

 

“الدنيا نيوز”

ما أجملك أيتها الأرض في محاذاة الأزرقين: البحر والسماء.
عند هذا الشاطئ الساحر، يشاهد المرء فصلا جديدا اسمه “الربيع المائي”. هنا، تنبت في الزمن بعض الساعات الشهية كأنها الثمر الحلو الناضج على شجره. وهنا أيضا يوحي اللون الأزرق الى النفوس ما يوحيه لون الربيع الأخضر، الا أنه ألطف وأرق.
أمام هذا البحر الواسع العميق تولد آلاف المعاني كما ينبت الربيع النبات والزهر وسحر الألوان.
هنا حياة أخرى مختلفة وحكايات جميلة متوهجة بقرص الشمس التي تأبى الا أن تكون الأميرة الحاكمة متوهجة بجواهرها على صفحة الماء، لامعة بسحرها، مؤنقة بأشعتها وأنوارها…
تحقيقنا اليوم أردناه مرسوما بملح البحر وموسيقى موجه وصخب أخباره من أناس عاشوا في البحر وتعايشوا معه وأصبحوا كما أسماكه لا حياة لهم خارج حدوده الواسعة.
تراهم لساعات وساعات ينتظرون بأجسادهم التي اكتسبت السمرة الداكنة من شدة حرارة الشمس. يتأملون الأفق، بين السماء الملبّدة بكثير من الاسئلة، والبحر الواسع المليء بالاجوبة والصور والتمنيات…
“البحر قد يحاكي الماضي والحاضر والمستقبل. وبما أنه يسيطر على أكثر من ثلاثة أرباع الكرة الأرضية فهذا يعني أن الانسان مغمور بالبحر والأرزاق التي قسمها الله لنا من البحر هي مجال حياتنا ووجودنا لذا فإن الرابط الموجود بين الصياد والبحر هو رابط روحي وليس ارتباطا عضويا أو نتيجة المهنة أو المصلحة”. هذا الإمتنان ” للأزرق العظيم” وهذه الكلمات التي استقبلنا بها السيد طالب الحركة رئيس نقابة صيادي الأوزاعي والمرافئ المجاورة، تقرؤها في عيون كل واحد من اولئك البحّارة والصيادين على امتداد الشاطىء اللبناني. بينهم وبينه علاقة روحية ورابطة لا يشعر بها مَن لم يجرّب حياة البحر ويغوص في أسراره.
الكل هنا منهمك لاعداد المركب الذي سيقلنا في رحلة بحرية حيث سنتعرّف الى حكاياهم وأسرارهم وتفاصيل حياة مختلفة وجديدة: حياة البحر!
منذ العام 1987 امتهن السيد علي المقداد مهنة الغطس وهو اليوم مدرّب محترف. روى لنا كيف عاش في الخارج في منطقة بعيدة حوالي الساعة والنصف الساعة عن البحر فاضطر إلى تغيير سكنه ونظام حياته ويدفع ايجارا أعلى ليكون على مقربة من البحر. “أنا اذا بضل بعيد أسبوع عن البحر بصير يقشّر جلدي لأن تعودت على الغطس والرطوبة فهيدي الحياة صعبة نطلع منها”. أما عن الغطس الذي يمارسه فهو من باب “الحب للبحر واستكشافه”.
كثيرون ورثوا مهنة الصيد أبا عن جد لكن معظمهم أصبحت بالنسبة لهم هواية وأسلوب حياة كما أخبرنا محمد البصراوي… فبالنسبة لابن الخمسين ربيعا والذي ورث هذه المهنة منذ عمر الثانية عشرة أبا عن جد بحكم منزلهم الذي يقع على مقربة من الشاطئ،أصبح البحر والصيد كل حياته. وعندما هجر البحر للالتحاق بوظيفة على “البر” تركها مجددا لأن “اللي بينزل عل بحر ما بعود يتركو”. أي سر تحمله هذه العبارة؟ يجيب البصراوي:”شغلة حلوة بتبقى بايدك سمكة كبيرة بتضلك انت وياها أكتر من نص ساعة عم تتخانقوا بالصنارة أو القصبة، ساعتها بيكبر قلبك وبيزغر قلبك لتشوفيها قدام منك وهيدا الشي بعلمنا الصبر”.
انتقل السيد علي خير الدين الى حياة البحر بعدما وجد في حياة البر وصخب السياسة “اصطيادا في الماء العكر”، فآثر البحر وهدوئه. “عندما تشرق عليك الشمس وأنت في عرض البحر تشعر براحة غريبة تجعلك تنسى اليابسة بأكملها”.
اضافة الى الصبر والراحة النفسية التي يوفّرها لهم، يعتبر كل صيّاد هنا أنه يخوض يوميا صراعا مع الطبيعة كما يقول الريّس يحيى ياسين. فالمزارع شتاء يجلس في منزله ويشعل موقده ويروي المطر مزروعاته أما نحن “فما زال صراعنا مع الطبيعة قائما ونضطر أحيانا لركوب البحر حتى في أعتى العواصف لتخليص شباكنا”. وكم ابتلع هذا البحر زملاء في المهنة أعزاء ونجى آخرون لكنهم لم يتخلوا عن المهنة.
يأتي خليفة حميّد أو أبو علي نزولا عند رغبة الريّس ليروي لنا كيف تعرّض لحادثة أودت بمركبه وكادت تودي بحياته، فنسأله ألا تخشى نزول البحر ثانية؟ فيجيبنا بابتسامة واثقة:”انا متل السمكة اذا بطلع من المي بموت. البحر بنسّي الانسان همومو وبريحلو نفسيتو. البحر سلطان ونحنا منعاشر السلطان بالبحر”.
المركب أصبح جاهزا…
حملوا شِباكهم واحلامهم وافكارهم وهمومهم، ليرمونها في عرض البحر الازرق وامواجه الحرّة العالية التي تتكسّر تباعاً، وبسرعة متناغمة، تماماً كالطيور التي خرجت خلسةً من اقفاصها تبحث عن وطن جديد لم تره اعينها منذ زمن غابر بعيد.
نحن على متن المركب “أليسار”… وكل المراكب التي تتهادى على صفحة الماء وتتمايل مع النسمات العليلة تحمل تسميات متنوعة… كيف يختار البحّارة أسماء مراكبهم؟ “كل صياد يسمّي مركبه بالاسم الذي يحبه، بالرابط الذي يرتبط به بحياته، باسم أحد أولاده، باسم حدث تاريخي معين يعنيه” يجيب السيد طالب الحركة ويضيف أن هذا الاسم هو “صلة الوصل بين البحري وبين البحر”.

 


الوجوه السمراء منهمكة بتخليص الشِباك لرميها في الماء… أما المهمة فلا يقوم بها الا “الريّس”… والريّس في لغة الصيادين هو العارف بكل خبايا البحر وأصدافه وصخوره ويحفظ كل شبر من مياهه الغنية بالتفاصيل كما يحفظ كل ركن من أركان بيته…
مصطلحات عديدة يحفل بها قاموسهم لا يدركها الا أبناء البحر. يتقنون لغته على كثرة أبجدياتها فلا يفوتهم من أحاديثه أو أخباره أو أحواله أي شيء. فمثلا بلغة الصياد لكل وقت تسمية معينة: فاذا نزل البحر صباحا يقول “صبَيحة”، وقبل طلوع الفجر “غدرة” أما ليلا فاسمها “تبييت”. أيضا هناك أوقات للصيد ورمي الشباك تتبع لتحركات القمر والريح ودورة الأرض والتيارات الموجودة. وللشبكة أيضا مصطلحاتها الخاصة فيها:”لوى الشبك-لوى المرسى-لوى الياطر-هاود بالطالع-هاود بالنازل”.
وللغطس أيضا حكايته الجميلة… انه حديث البحر من العمق، من الأماكن التي نجهلها لكنها بالنسبة الى عشاقها سفر يومي الى عوالم ساحرة لا يمكن أن نجد على اليابسة مثيلا لها. للغطس عدة أنواع كما يوضّح الغطّاس والمدرّب علي المقداد: فهناك غطس استكشافي، غطس هواية وغطس مهني(تركيب أنابيب،تنقيب عن النفط…). أما هو فيغطس “من باب الاستكشاف” والجميل فيه “أنه متغير دائما بعكس الوظائف التي لها ذات الطابع. فنفس البقعة البحرية لو زرناها دائما نجدها في كل مرة بحلّة متغيرة وجديدة”.
ابن البحر الذي أمتعنا بحكاياته وكان ك”السندباد” المتنقّل في بحر لبنان في مختلف المدن اللبنانية، أطلعنا على عالم الأعماق وما يحويه من جمال يسحر الألباب. فهناك مثلا تحت الماء المالحة في البحر ينابيع للماء العذبة. وهناك “فوّارات” للماء العذبة في بحر صور وصيدا وشمال لبنان. وفي بحر صور بالتحديد هناك براكين نشطة وهي عبارة عن فوهات بداخل الصخر تحوي مياه كبريتية تستعمل للطبابة. ويروي المقداد عن مدن تاريخية مفقودة عمرها أكثر من سبعة آلاف سنة غارقة تحت الماء منها “يرموتا” و”صيدون”.
شارفت الجولة على متن القارب “أليسار” على نهايتها… شعور ما في داخلنا يسكننا وتظل رائحة هذا الأزرق الساحر تنادينا فنقع في غوايتها ونظل أسرى لها… الآن بتنا ندرك سر هذه الرابطة العميقة بين البحر وأبنائه الذين يغسلون همومهم يوميا بأمواجه ويفضّلونه برغم خطورته على الحياة البرية المليئة بالمشاكل والضغوطات والجمود. حياة البحّار ليست ملكه… عبارة أجمع عليها كل من قابلناهم لكنهم يملكون الدنيا عندما يخوضون لججه ويجمعون من خيره رزقهم ورزق عيالهم.
“البحر سلطان” عبارة قالها أحدهم لكنها اختصرت كل الحكاية… حكاية من حروف مائية بزهو ربيعي دائم وأصداف ودرر وصخور ورمال وأسماك وجماليات تخطف قلوب وعقول مَن يتعرّف عليها ليصبح أسيرا لها ويأبى أن يفك أحد قيوده. فالخضوع لسلطان البحر أجمل حرية…

 

مقالات ذات صلة