سجناء الظلال … كيف يحكم الخوف مدن العقلاء؟!

خاص – “أخبار الدنيا” 

 

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*

الإنسان مسيّس بطبعه، لكنه قبل التسييس قطيعي بالغريزة. هذه الثنائية هي خشبة المسرح التي تُعرض عليها كل مآسينا السياسية. فبين “خطاب القطيع” المتولّد في ظلام الكهف، و”خطاب السياسة” المُصاغ في أروقة المدينة، يتأرجح التاريخ جيئة وذهابًا.

أولًا: كهف أفلاطون لا يزال مفتوحًا

“لغة القطيع” هي لغة الكهف الأفلاطوني بعينها. سجناؤها موثّقون بالسلاسل، لا يُبصرون إلا ظلالًا يرسمها كهنة الخطاب على الجدار. إنها لغة لا تخاطب العقل، بل تستثير الغريزة الأقدم: فزع الانفصال عن دفء الجماعة.

عبارة “معنا أو ضدنا” ليست مقولة، بل حكم إعدامٍ للفردانية. إنها إلغاء لوعي سقراط حين قال: “إني لأعلم أني لا أعلم”. القطيع لا يطيق الشك، لأن الشك أول مسمار يُدق في نعش الإجماع المقدّس. لذلك مفرداته باترة كحدّ السيف: خائن، عميل، مؤامرة، مقدّس، مدنّس. لا وجود للرمادي فيها، لأن الرمادي لون التأمل، والقطيع لا يتأمل، بل ينجذب.

سمّاها نيتشه “أخلاق العبيد”: أخلاق تنبثق من العجز، فتُحوّل الضعف فضيلةً، وتصم القوة بالشر. السياسي الماهر بلغة القطيع لا يقدّم برنامجًا، بل يصنع عدوًا. لأنه يدرك قانونًا بدائيًا: لا شيء يوحد الجموع كالخوف المشترك.

ثانيًا: المدينة الفاضلة… وهمٌ ضروري

أما “لغة السياسة” فهي ثمرة الخروج إلى الشمس. إنها لغة “المدينة الفاضلة” الفارابية. تفترض أنك تجاوزت ظلال الكهف، وأدركت أن الحقيقة أوسع من جدار.

هنا يولد “العقد الاجتماعي” عند هوبز وروسو: أتنازل عن جزء من شراسة غريزتي، وتتنازل عن جزء من أنانيتك المتوحشة، لنلتقي في “المنطقة الرمادية” التي اسمها الدولة.

مفرداتها باردة كالثلج: مصالح، توازنات، مرحلة انتقالية، تفاهمات. لأنها لغة لا تسعى إلى الموت من أجل فكرة، بل إلى العيش مع نصف فكرة. السياسة فن الممكن، كما قال بسمارك. بينما القطيع فن المستحيل المؤلّه.

لكن مأساة السياسة أنها وهمٌ ضروري. هوبز رأى الإنسان “ذئبًا لأخيه الإنسان”، والدولة وحشٌ أكبر نرتضيه لنردع وحشية الذئاب الصغار. السياسي الناجح هو من يبيعك هذا الوحش بوصفه “حامي الحمى”، في حين أنه في جوهره احتكار للعنف المشروع.

ثالثًا: المفارقة التراجيدية للديمقراطية

وهنا نصل إلى المفارقة القاتلة: الديمقراطية تحتاج لغة القطيع لتبلغ الحكم، وتحتاج لغة السياسة لتمارس الحكم.

في الساحة يصيح المرشّح: “نحن أبناء هذه التربة، وهم باعوها”. هذا خطاب كهف. لكنه في القصر يهمس: “لابد من شراكة استراتيجية مع من اتهمناهم بالخيانة أمس”. هذا خطاب مدينة.

الناخب الذي صفق للأولى يرى في الثانية “نفاقًا”. وليست كذلك، بل هي انتقال قسري من منطق الغريزة إلى منطق البقاء.

يقول كامو: “الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يرفض أن يكون ما هو”. والسياسي هو التجلي الأوضح لهذا الرفض: يرفض أن يكون ذئبًا أمام الميكروفون، ويرفض أن يكون حملًا في غرفة القرار.

لنكن برمائيين

الكارثة ليست في تعدد اللغتين، بل في غياب الوعي بتعددهما.

المجتمع الناضج يدرك أن لغة القطيع ضرورة لبناء النسيج النفسي للجماعة، وأن لغة السياسة ضرورة لبقائها المادي. والخطر كل الخطر أن تُتّخذ لغة القطيع دستورًا، أو تُتّخذ لغة السياسة عقيدة.

علينا أن نكون برمائيين: نسبح في ماء العاطفة حين نشيد الهوية، ونمشي على يابسة العقل حين نبني الدولة. من عجز عن السباحة بينهما غرق في الأولى، وتيبّس في الثانية.

ويظل السؤال الفلسفي بلا جواب: هل تصمد مدينة فاضلة إذا خرج كل سكانها من الكهف، أم أن بقاءها مشروطٌ دومًا بوجود سجناء يخافون فيطيعون؟

——————————-

* استاذة، جامعية، ورئيسة الابحاث العلمية والفكرية في موقع “الدنيا نيوز”